كنا في أيام الصبا نسير بلا هدف، نخبط خبط عشواء، وهمومنا متردية، وآمالنا متدنية، نقضي كل يوم بيومه، ولا نسأل عن غدٍ، ولا نبكي على أمس.
وكانت هذه حالنا ونحن طلاب تحفيظ، ونسمع ونجالس أصحاب الهمم العالية، ولم نتأثر بهم إلا بما يمكننا من محاكاتهم والدنو منهم، وإلا فأين أنا من همّهم؟
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم
إن التشبه بالكرام فلاح
بيد أن أحد معلمي الأفاضل كان يتوسم فينا خيرًا، ورأى فينا سمت الجادين المجدين، وكان -رضي الله عنه- من أولي الأبصار والحنكة، وله نظرة في الشباب، كيف لا وهو من أصحاب الحلال، فهؤلاء يميزون الشياه والنوق الصالحات، ولن يعجزهم أن يميزوا الدواهي من بقية الطلاب (كنت مادحًا لنفسي فلا أدري كيف وصلنا للبهائم!).
فانتحى بي ذات يوم وناولني رواية بغلاف ورقي باهت، وبعد أن ذكر لنا من آيات المديح والإعجاب، وما التمسه فينا من أمارات النجابة والنبوغ، ناولني إياها وطلب مني أن أقرأها في ظرف أسبوعين. والمديح كان قد غطى عقلي وعرج به إلى السماء، فلم أدرِ ما قال من اسم الرواية ومدة قراءتها.
ثم بعد أسبوع أتيته مزهواً بأني أنهيتها قبل المدة بأسبوع، فلما رأى ما بي من زهوٍ وتبختر، قال لي: "شايف هذاك؟"، فأشار إلى شاب لم أكن أعبأ به ولم أعدّه من المميزين، قلت: "إيش به؟"، قال لي: "خلصها في ثلاثة أيام!" فأسُقِط في يدي وتبدد ما بي من زهو، وضحك الأستاذ من وضوح ذلك، فسألني عن الرواية، فأجبته ما سأجيب به لكم.
ومثار الغرابة هو كيف لشابين بعيدين كل البعد عن القراءة الجادة، ينهيان رواية في ثلاثة وسبعة أيام؟
ولا أدري كيف أنهى زميلي الرواية في ثلاثة أيام، أما قصتي فكانت كالتالي:
لما عدت إلى البيت ساعتها، واستعددت للنوم وتلحفت وخففت الإنارة، وها أنا بيدي أول رواية تتلقفها يداي (يجدر التنويه أني قرأت طرفًا من قصص الرجل المستحيل لنبيل فاروق، ولكن كان هذا في الابتدائي ولا يُسجّل) وكنت قبل ذلك لا أقرأ إلا نزرًا، ولي من الكتب اليسير، وقد كان الناس من حولي يظنونني أخا كتبٍ لا لشيء إلا لأني أتكلم بالفصحى، ولم يدروا أن ذلك لا علاقة له بالكتب، وإنما شيء التقطناه من جراء تسمرنا بالساعات أمام أفلام الكرتون.
المهم أني تفحصت الكتاب وهابني عدد صفحاته، ولكني استجمعت أمري واستعنت بالله، وأخذت أقرأ في رواية (ثمانون عامًا بحثًا عن مخرج).
أولى الصفحات كنّ الأصعب، فلا في نفسي لياقة للقراءة، ولا أحب البدايات، ومن عادتي أن أشاهد المسلسل مثلًا من الحلقة الثانية وما بعدها، فلا رغبة لي في التوطئة والمقدمة والتمهيد.
ولكن ما إن تعمقنا في الرواية، وغاصت أقدامنا فيها، حتى ظهرت لنا خفة شديدة، وعدوٌ سبوح في القراءة، حتى إنني لحد الآن لم أنجز رواية بهذه السرعة!
أما القصة فما أذكره دون رجوع إلى الرواية أنها كانت تتناول حال ثلاثة شبان رأوا بيتًا مهجورًا، فلما دخلوه وجدوا فيه سردابًا، وبعد تردد دخلوا فيه، وألفوا أنفسهم في عوالم مختلفة وغريبة، بممالك عجيبة وحيوانات ناطقة، فهمّ كل واحد منهم للبحث عن المخرج، وما صاحب تلك الرحلة من مواقف.
والرواية على طابعها المغامراتي المريب والمهيب، فإن فيها رمزيات وإسقاطات واضحة، ورام مؤلفها تقديم لمحات تربوية توعوية من القصص، فهي تتناول الصداقة والخير والشر والعدل والإحسان والكرم.
والمواقف والأحداث كانت من التشويق بحيث إنني قرأت في يوم ما يقارب الـ 50 صفحة، وهذا بحساب معدل التضخم يوازي اليوم 200 صفحة من نشاطي القرائي الآني.
وتلك سابقة، وأنا الذي كان إذا أعياه السهاد، وبوعد ما بين الأجفان، استعنت بأي كتاب، فلا يمر السطر والسطران إلا وسُمِع لي غطيط.
وللرواية غدرة تغدر بك لا تعلم عنها!
فلما كنت أقرأها وقد شارفت الرواية على النهاية، وما بيني وبينها إلا بضع وعشرون صفحة، رابني هذا الشيء، فالشبان الثلاثة كلٌّ في ديرة مختلفة، وللروائي أسلوب ونبيسي أوداوي في التمطيط والتطويل، فلا يعقل لعاقل أن تنتهي الرواية وتثمر نتائجها في غضون بضع عشرات من الصفحات!
كنت أقرأ وأقرأ والصفحة الأخيرة تقترب وتقترب، ومع كل صفحة يظهر أن الشبان أبعد ما يكونون عن المخرج منهم من أول الرواية، وما إن تصل إلى الصفحة الأخيرة؛ حتى تدرك السبب، وتكشف المغموم، وينجلي عنك المجهول، وتعلم وليتك لم تعلم، فتجد مكتوبًا:
"وهنا توقف المؤلف عن الكتابة ليمضي في موكب الشهداء."
وما بكيت كما بكيت يومها من نعيه وقصة استشهاده، فالمؤلف -تقبله الله فيمن عنده- كان قائمًا على ثغر، يجاهد فيه أعداءه من اليهود الغاصبين، وفي كل ليلة كان يكتب جزءًا يسيرًا من الرواية، حتى استكملت روايته البطلة وقصته المسطرة، شهيدًا بطلًا مجاهدًا.
وعلى ما كان بي من غم لأن القصة كانت قد بلغت بي مبلغًا عظيمًا، وودت لو أعلم كيف تنتهي، إلا أني على ذلك سعدت بما حظي به المؤلف من هذه المرتبة العالية -على ما نحسبه والله حسيبه-.
بقيت الرواية في نفسي، ولم يرقني أنها لم تنتهِ، وخطر لي أن أكملها، فأنا أعرف الشبان، وفهمت شخصياتهم، ولي قدرة قصصية لأن أوصلهم إلى المخرج، وأكمل عمل الشهيد صلاح حسن، ولكن بعد عدة صفحات خارت همتي وضعف عزمي.
عندما قابلت معلمي كان معظم حديثنا عن الفاجعة الأخيرة، وعندما أسررت له بمشروعي في إكمالها؛ ضحك كثيرًا وقال: "كلنا فعلنا ذلك يا أنس".
وهذه قصة روايتي الأولى.




قراءة هذا المقال تشبه قراءتك للكتاب، مقال ممتع قرأته دفعة واحدة دون انقطاع.