#قبسات من الورد اليومي (٣):
يقول سبحانه وتعالى: { قَالُوا۟ نَفۡقِدُ صُوَاعَ ٱلۡمَلِكِ وَلِمَن جَاۤءَ بِهِۦ حِمۡلُ بَعِیرࣲ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِیمࣱ }
يستدل الفقهاء بهذه الآية على الجعالة ، وهو ما يجعله الإنسان من مال مقابل عملٍ محدد ، فهو شبيه للإجارة إلا أن الجعالة يراد بها تحقق الشيء فإن لم يتحقق الشيء الذي عليه الجُعل لم يستحق القائم بالعمل الأجر المترتب ، ففي الآية هناك جائزة أو مقابل معلوم وهو حمل بعير لمن يجد صواع الملك.
وقد قسّم القانونيون الالتزام باعتبار نتيجته إلى التزام ببذل عناية ، أو تحقق غاية.
فالتزام ببذل عناية هو ما يستحق الملتزم بعمل أجرته ولو لم تحقق النتيجة طالما أنه بذل عناية الرجل المعتاد في حرفته ، فالطبيب قد يتخذ كل الإجراءات الصحيحة في سبيل شفاء المريض ، ولكن المريض لم يُشفى ، ففي هذه الحالة يستحق الطبيب أجرته، وكذا المحامي ، فقد يقدم كل الدفوعات الصحيحة ويعرض كل الوثائق الداعمة ، إلا أن فهم القاضي للواقعة وتكييفه خارج عن سلطة المحامي.
أما التزام تحقق غاية ، فهو ما يسمى بالجُعالة عند الفقهاء، وهو الالتزام الذي لا يستحق القائم بالعمل فيه أجرته إلا إذا تحققت النتيجة والغاية المتفق فيها ، ففي الآية ؛ إذا بحثت عن الصُواع ولم تجده فلن تستحق أجرة على ذلك ولو قلبت الدنيا بحثًا عنه ، وكذلك المقاول والمهندس والمصمم ومتعهد الحفلات ، وغيرها من الأعمال التي لن يستحق العامل أجره فيها إلا بتحقق المتفق عليه . والله اعلم.
#قبسات من ورد اليوم (٤):
يقول سبحانه وتعالى في سورة الرعد :
{ لَهُۥ دَعۡوَةُ ٱلۡحَقِّۚ وَٱلَّذِینَ یَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا یَسۡتَجِیبُونَ لَهُم بِشَیۡءٍ إِلَّا كَبَـٰسِطِ كَفَّیۡهِ إِلَى ٱلۡمَاۤءِ لِیَبۡلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَـٰلِغِهِۦۚ وَمَا دُعَاۤءُ ٱلۡكَـٰفِرِینَ إِلَّا فِی ضَلَـٰلࣲ } وقال سبحانه: { أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ فَسَالَتۡ أَوۡدِیَةُۢ بِقَدَرِهَا فَٱحۡتَمَلَ ٱلسَّیۡلُ زَبَدࣰا رَّابِیࣰاۖ وَمِمَّا یُوقِدُونَ عَلَیۡهِ فِی ٱلنَّارِ ٱبۡتِغَاۤءَ حِلۡیَةٍ أَوۡ مَتَـٰعࣲ زَبَدࣱ مِّثۡلُهُۥۚ كَذَ ٰلِكَ یَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَـٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَیَذۡهَبُ جُفَاۤءࣰۖ وَأَمَّا مَا یَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَیَمۡكُثُ فِی ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَ ٰلِكَ یَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ }
فهذه الآية اشتملت على مَثلين ، والأمثلة في القرآن هي من وسائل إعمال العقل ، فالمثل يرسم لك صورة عقلية كونية معينة لتقريب أمر أو حقيقة شرعية وسنفصل الأمثلة السابقة ببيان الصورة والمراد الشرعي منها ، مستعينين بالله ثم بتفسير الحافظ ابن كثير رحمه :
المثال الأول:
أ-صورة المثال:
-هذا الإنسان الذي يبسط كفه إلى الماء إلى قاع البئر ، لا يصل الماء إلى يده ، فكيف بفمه (قاله علي بن ابي طالب).
-قول اخر : الذي يجمع الماء بيده لا يستطيع أن يحكم منه بشيء.
ب-المراد منه :
قال ابن كثير :
“وَمَعْنَى الْكَلَامِ: أَنَّ هَذَا الَّذِي يَبْسُطُ يَدَهُ إِلَى الْمَاءِ، إِمَّا قَابِضًا وَإِمَّا مُتَنَاوِلًا له من بُعد، كما أنه لا يَنْتَفِعُ بِالْمَاءِ الَّذِي لَمْ يَصِلْ إِلَى فِيهِ، الَّذِي جَعَلَهُ مَحَلًّا لِلشُّرْبِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا غَيْرَهُ، لَا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ أَبَدًا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾"
المثال الثاني:
أ-صورة المثال:
قال ابن كثير:
“فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ أَيْ: مَطَرًا، ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ أَيْ: أَخَذَ كُلُّ وَادٍ بِحَسْبِهِ، فَهَذَا كَبِيرٌ وَسِعَ كَثِيرًا مِنَ الْمَاءِ، وَهَذَا صَغِيرٌ فَوَسِعَ بِقَدْرِهِ"
ب-المراد منه:
"وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْقُلُوبِ وَتَفَاوُتِهَا، فَمِنْهَا مَا يَسَعُ عِلْمًا كَثِيرًا، وَمِنْهَا مَا لَا يَتَّسِعُ لِكَثِيرٍ مِنَ الْعُلُومِ بَلْ يَضِيقُ عَنْهَا”
المثال الثالث:
أ-صورة المثال:
"وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾ هَذَا هُوَ الْمَثَلُ الثَّانِي، وَهُوَ مَا يُسْبَكُ فِي النَّارِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾ أَيْ: لِيَجْعَلَ حِلْيَةً أَوْ نُحَاسًا أَوْ حَدِيدًا، فَيُجْعَلُ مَتَاعًا فَإِنَّهُ يَعْلُوهُ زَبَدٌ مِنْهُ، كَمَا يَعْلُو ذَلِكَ زَبَدٌ مِنْهُ."
ب-المراد من المثالين الثاني والثالث:
"﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ أَيْ: إِذَا اجْتَمَعَا لَا ثَبَاتَ لِلْبَاطِلِ وَلَا دَوَامَ لَهُ، كَمَا أَنَّ الزَّبَدَ لَا يَثْبُتُ مَعَ الْمَاءِ، وَلَا مَعَ الذَّهَبِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُسْبَكَ فِي النَّارِ، بَلْ يَذْهَبُ وَيَضْمَحِلُّ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ أَيْ: لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، بَلْ يَتَفَرَّقُ وَيَتَمَزَّقُ وَيَذْهَبُ فِي جَانِبَيِ الْوَادِي، وَيَعْلَقُ بِالشَّجَرِ وَتَنْسِفُهُ الرِّيَاحُ. وَكَذَلِكَ خَبَثُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ يَذْهَبُ، لَا يَرْجِعُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يَبْقَى إِلَّا الْمَاءُ وَذَلِكَ الذَّهَبُ وَنَحْوُهُ يُنْتَفَعُ بِهِ".
واخيرا ؛ فإن العلماء يشيرون إلى أن كل مثالٍ في القرآن يتضمن دليلًا على مشروعية القياس ، فما القياس إلا استعمال العقل في رفع فرع إلى أصل لعلة جامعة بينهما، والمثل هو رفع فرع (وهو المراد الشرعي) إلى أصل (وهو الأمر المتمثل به) لعلة جامعة بينهما (وهو موطن الشبه بين الفرع والأصل) ، وهو ما ردوا به على ما أنكر القياس كالظاهرية. والله أعلم.
#قبسات من ورد اليوم (٥) :
يقول سبحانه وتعالى بلسان ابليس - لعنه الله- :
{ وَقَالَ ٱلشَّیۡطَـٰنُ لَمَّا قُضِیَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِیَ عَلَیۡكُم مِّن سُلۡطَـٰنٍ إِلَّاۤ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِیۖ فَلَا تَلُومُونِی وَلُومُوۤا۟ أَنفُسَكُمۖ مَّاۤ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَاۤ أَنتُم بِمُصۡرِخِیَّ إِنِّی كَفَرۡتُ بِمَاۤ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِینَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ }
فيقف ابليس -لعنه الله- على رؤوس متبعيه فيتبرأ منهم طرف عين ، وقد سكت عن أمره وحقيقته حتى قُضي الأمر ، فيزيد متبعيه حسرة على حسرتهم ، ونكدا على نكدهم ، ويقول بكلام خائب أنه -وبكل بساطة- قد اخلف وعده لهم ، ولم يكتفي بذلك ؛ بل نثر الملح على جروحهم بأن قال بأنه لم يكن له حيلة عليهم ولا سلطان ، بل اتبعوه لهوى في نفوسهم ولغشاوة على أعينهم ، ثم في خاتمة شديدة القبح والسوداوية بيّن لهم بأن لا صريخ له ولهم فقد رفعت الأقلام وجفت الصحف ، فاستحق هو وإياهم العذاب الألم.
فهذا البيان والخطاب من ابليس - لعنه الله- وأمثاله كثيرة في القرآن كقوله { لَّعَنَهُ ٱللَّهُۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنۡ عِبَادِكَ نَصِیبࣰا مَّفۡرُوضࣰا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ وَلَأُمَنِّیَنَّهُمۡ وَلَـَٔامُرَنَّهُمۡ فَلَیُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَـٰمِ وَلَـَٔامُرَنَّهُمۡ فَلَیُغَیِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ وَمَن یَتَّخِذِ ٱلشَّیۡطَـٰنَ وَلِیࣰّا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانࣰا مُّبِینࣰا (119) } وقوله { قَالَ فَبِمَاۤ أَغۡوَیۡتَنِی لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَ ٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِیمَ }.
فليس الخسران ببعيد عن من يصله الخبر فلا يتعض ويعتبر ، فقد أقيمت الحجة أحسن إقامة وأبين عن العدو أحسن بيان ، فليس بَعدُ للمرء من عذر ؛ فإن لم يرتدع ويستقيم فليستعد لخطاب إبليس - لعنه الله- السابق { فَیَوۡمَىِٕذࣲ لَّا یَنفَعُ ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟ مَعۡذِرَتُهُمۡ وَلَا هُمۡ یُسۡتَعۡتَبُونَ }.
نسأل الله أن يهدينا سبيل الرشاد
#قبسات من ورد اليوم (٦) :
يقول سبحانه وتعالى: { قَالَ وَمَن یَقۡنَطُ مِن رَّحۡمَةِ رَبِّهِۦۤ إِلَّا ٱلضَّاۤلُّونَ (56)}
القنوط من أبشع الصفات دينًا ودنيا ، وهو من أمكر التوريات التي يتورى خلفها الشيطان ليضل به ابن آدم ، فظاهر القنوط هو الهضم والتواضع والخضوع ، وأن الإنسان طالما أنه عبدٌ فعليه أن يتحلى بهذه الصفات ، وهو -ظاهريًا- لم يتجرأ على الله ، ولم يتكبر ، ولم يفجر ، وإنما أيقن الهلاك واستسلم له.
وما زال الشيطان يروع في نفس الإنسان فعله ، ويضخم له ذنوبه التي يرتكبها ، ويقلل من شأن توباته المتكررة ، وأن يسميها له بأنها نفاق محض ، حتى ييأس من روح الله ورحمته ، فإن هو استسلم للشيطان ؛ استفرد الأخير به ومضى به لكل قاع وهاوية ، فاليأس من رحمة الله يعني أن لا داع ولا حاجة للتوبة والعمل الصالح ، ولأن هذه الحيلة سهلة أن تنطلي على صاحب القلب الحي؛ نبهنا العلي الكريم في خطاب عطوف ونداء لطيف { ۞ قُلۡ یَـٰعِبَادِیَ ٱلَّذِینَ أَسۡرَفُوا۟ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُوا۟ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ یَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِیعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِیمُ } .
ويجب للإنسان أن يوازن بين الطمع بما عند الله والوجل منه ، وما أحسن ما قال ابن القيم رحمه الله :
"القلبُ في سيره إلى الله - عزَّ وجلَّ - بمنزلة الطَّائر، فالمحبَّة رأسه، والخوف والرَّجاء جناحاه، فمتى سلِم الرَّأس والجناحان، فالطائر جيِّدُ الطيران، ومتى قطع الرأس، مات الطائر، ومتى فقد الجناحان، فهو عرضة لكل صائدٍ وكاسر"
ومن وجد في نفسه ميلًا فليقومه بقوله تعالى { أَمَّنۡ هُوَ قَـٰنِتٌ ءَانَاۤءَ ٱلَّیۡلِ سَاجِدࣰا وَقَاۤىِٕمࣰا یَحۡذَرُ ٱلۡـَٔاخِرَةَ وَیَرۡجُوا۟ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ }.
والقنوط في الدنيا بالاستسلام للظروف الصعبة ، او استصغار الذات أمام الحياة ، والتهيب من خوض غمارها، من باب العمل بقول "رحم الله امرأ عرف قدر نفسه" هو من الصفات القبيحة ، والخط الفاصل بين القناعة والقنوط دقيق ، فليحذر الإنسان أن يدخل في هذه الدوامة ، فالخروج منها صعب فإن الخروج منها صعب طويل الأمد . والله أعلم



