ظاهرة أن يُحمد الإنسان بما لم يفعل
خاطرة حول بعض الظواهر الاجتماعية

يقول سبحانه وتعالى:
{ لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَا أَتَوۡا۟ وَيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُوا۟ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُوا۟ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ }
هذه الآية توبيخ وتقريع “"بذلك المرائين المتكثرين بما لم يُعطَوا، كما جاء في الصحيحين عن رسول الله ﷺ: "مَنِ ادَّعى دعوى كاذبةً ليتكثَّر بها لم يزده الله إلا قِلَّة"، وفي الصحيح: "المتشبِّع بما لم يُعطَ كلابس ثوبي زور"“1
والآية فيها إشكال قد يظهر بادئ الأمر، وهو منقول من خبر مذكور في مسند أحمد:
“قال الإمام أحمد: عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره أن مروان قال: اذهب يا رافع -لبوابه- إلى ابن عباس رضي الله عنه، فقل: لئن كان كل امرئٍ منا فرِح بما أتى وأحب أن يُحمد بما لم يفعل معذَّبًا، لنعذَّبن أجمعون؟ فقال ابن عباس: وما لكم وهذه؟ إنما نزلت هذه في أهل الكتاب.”2
وهذا الشاهد: فما منا من أحد إلا وهو يحب أن يفرح بما أتى ويُحمد على ما لم يفعل، فهو من طبيعة النفس البشرية المجبولة على تلقي المديح وتحصيل الثناء، ولو لم يكن على شيء فعله.
ولكن يُستحسن منازعة هذا الأمر وردُّه، والتأكد من تلقي الثناء والحمد فيما فعله الإنسان بيده أو ساهم فيه، تجنبًا للوعيد المذكور في الأحاديث أعلاه، ومخالفةً لطبائع أهل الكتاب.
وتجد هذه الظاهرة منتشرة كثيرًا في الإنترنت ووسائل التواصل، فهذه التطبيقات مصممة ومهندسة لتحويل الإنسان وأفعاله إلى أرقام قابلة للقياس، بعلامات الإعجاب وأرقام المشاهدة، فيسعى الإنسان سعيًا محمومًا لحصد أعلى نقرات الإعجاب والمشاهدة. فالكل من حولك خاضع لهذه القوى، ومنازعتك لها يجعلك بمعزلٍ عنهم ومتأخرًا عن اللحاق بهم، وهو ما يجعلك عرضةً للاكتئاب والقلق وباقي الأزمات النفسية.
وبما أن حب الظهور قد تمكن منك الآن، ولرغبتك في اللحاق بالناس والمشاهير والمؤثرين، ولأن الكثير من معايير الجمال والشهرة وروافع المشاهدات بعيدة عن يديك وأصعب من أن تُنال؛ اضطُررت إلى تزييف الواقع، وعرض الوهم، والحمد بما لم تفعل.
وفي أمثلة مخصوصة:
استخدام أدوات الذكالي3: بدأ الناس يكتبون باستعانة الذكالي، أو يرسمون أو يصممون بها، وهي أداة مفيدة في نفسها، بيد أن الإشكال يكمن في أن الرجل يستخدمها في مواضع تتطلب اللمسة الشخصية، فموطن الإعجاب والإبهار في أن الكاتب استخرج ما يملكه من مخزون لغوي ولفظي وتراكيبي وتعبيري، وصبَّه في قالبه الكتابي، غير محصوله المعرفي الذي كوَّن البنية الموضوعية للمقال. فاللمسة الإنسانية مهمة لتقع الكتابة محل الإعجاب والتصفيق.
فاستخدام الذكالي بفجاجة يخالف فكرة اللمسة الإنسانية، ويخدع الأعين بألفاظه وتراكيبه، وهنا يُحمد الإنسان بما لم يفعل، من جمعٍ للمادة واستحضارٍ للكلمات والألفاظ.
والكثير من الكتابات الإنسانية -للأسف- تضيع وسط بحر الكتابات المولَّدة بالذكالي، وجرمها أن أصحابها اعتصروا ما لديهم من لغة وأسلوب وعلم، ورضوا به وعرضوه مع الكتابات البرَّاقة للذكالي.
ولا نعني طبعًا الاستعانة به في التنظيم كعلامات الترقيم وتحديد العناوين الرئيسية والحركات (الإسراف فيها منفِّر على فكرة)، فهذه كلها استعمالات منطقية لا تلغي المجهود الابتكاري للمؤلف، وأنا شخصيًا أستعمله -أحيانًا- للتصحيح والتنقيح العلمي (Fact-check).
قارونيو4 العصر الواحد والعشرين: لا تكفي المليارات ولا السفرات المستمرة ولا المراكب الفارهة ولا المجوهرات والإكسسوارات لقارون العصر الجديد حتى يقنعك بأن ما تم له لم يكن لولا عصاميته وجدِّه وسعيه، وهي دعوى يُفلت بها لولا اللقب الملاصق الفاضح.
ويبدو أن الثراء المعنوي أهم من الثراء المالي، فرواد الأعمال الجدد يقاتلون على عصاميتهم واستقلاليتهم أمام جموع المشككين، رغم أنه ومع كل التشكيك يظلون فوق أكوام من الملايين.
وهذا طبيعي، فدهشتك لفلان كيف أتقن شيئًا ما أو كيف يمتلك الشيء الفلاني ستزول عندما تعرف أن له مصدرًا لا ينضب، ودهشتك نامية من قياس حالك بحاله المزيَّفة، وعندما تنجلي الحقيقة ينعدم القياس وتزول الدهشة.
فوقودهم هو الشعور بالارتباط وأنني مثلكم، وبالجهد -والجهد فقط- وصلت إلى ما أنا عليه، والجهد ميزان عادل ويعطي صاحبه الشعور بالاستحقاق ثم العلو على من هو مثله، لكن فضح حقيقة الارتباط وتساوي الوضع المالي يلغي قيمة الجهد ويسقط هذا المدعي من علوه.
ولا يعلم رواد الأعمال الجدد الخطر الذي هم فيه، فإبرازهم للأخذ بالأسباب هو ذات ما أوقع قارون وجعله مستحق لعقوبة الخسف، فعندما سئل عن كنوزه أجاب (قال إنما أوتيته على علم عندي) وقد أشار ابن عباس رضي الله عنهما أن معنى الآية: على علم بصنعة الذهب والكيمياء.
فهذا قارون خسف به وبداره الأرض لأنه أشار إلى الأخذ بالأسباب دون أن يشير لفضل الله عليه فكيف إذن بمن يكذب في اخذه بالأسباب ولا يشير لفضل الله عليه.
المحسنات الرياضية في لعبة كمال الأجسام: تواطأ المجتمع الرياضي على وجود حدٍّ أعلى لشكل الإنسان بدون محسنات، والكل يعرفها ويميزها، غير أنك ستجد غير واحدٍ من المشاهير ومقدمي المحتوى ممن يكذبون عيانًا بيانًا بشأن تعاطيهم للمحسنات، وإذا فُضح وانكشف أخذ يبكي ويعتذر ويلتمس العفو من الجماهير الرياضية.
وتعاطي هذه المنشطات ليس بالأمر المنهي عنه كليةً، ودورات التعاطي تكون برعاية وإشراف طبي في الغالب، ولا يُسقط أيَّ رياضي -في هذه الرياضات- كونه يستعملها، وإنما يُسقطه الكذب وإخفاء الحقيقة، وإيهام العامة بأن هذا الجسم ممكن ويمكن حَوزه بالرجيم والرياضة فقط (وصدفةً باتباع برنامج الرياضي ذي التكلفة العالية).
وهذه أمثلة متفرقة، ولو اتسع المقام لذكرِ أكثر من ذلك لذكرنا. والله أعلم.
تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير نقلا من المسند
الذكالي: نحت من الذكاء الآلي أو الاصطناعي، أُعتمد مؤخرًا من قبل عدة مراكز تُعنى باللغة العربية.
من “قارنيون” وهي جمع قاروني: نسبة إلى قارون من بني إسرائيل وقصته معروفة



شكرا كنت نحتاج التذكرة جدا 👍
بارك الله فيك نفعت بهذا المقال جزاك الله خيرا