«حق على كل مسلم أن يقبل رأس هذا الصحابي».
خبر الصحابي الجليل عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه
أحدثكم اليوم عن صحابي لم يُعرف ويُذكر اسمه كثيرًا في كتب التاريخ. فالمسلم عندما يقرأ عن الصحابة رضوان الله عليهم في البطولات يقرأ عن حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ويقرأ عن خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وغيرهم من الصحابة الذين اشتهروا بقدرة كبيرة جدًا في القتال، وفي الدهاء، وفي الحنكة.
ويغيب عن ذكرهم أعداد كبيرة جدًا من الصحابة الذين كان لهم قصب سبق في الإسلام بنشره والدفاع عنه وإقامة حدوده. والصحابي الذي أريد أن أتكلم عنه اليوم في دقائق معدودة هو صحابي قال عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
«حق على كل مسلم أن يقبل رأسه، وأنا أبدأكم بذلك».
فهذه منقبة كبيرة جدًا يقدمها عمر بن الخطاب رضي الله عنه لهذا الرجل.
والصحابي هو عبد الله بن حذافة السهمي القرشي، وهو صحابي جليل، يشتهر عنه أمران أو قصتان.
القصة الأولى
أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد استأمنه على رسالته إلى كسرى الثاني ملك الفرس.
فالنبي صلى الله عليه وسلم بعد صلح الحديبية، والذي ظن المسلمون أنه خسارة، وظنوا أنه فرصة ضاعت وخسروها، كان في حقيقته فتحًا للمسلمين. ويتجلى ذلك في أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلح الحديبية، وبعد الهدنة التي أقامها مع قريش، وجد فرصة لنشر الدعوة وتوسيعها خارج نطاق جزيرة العرب.
فأرسل إلى المنذر بن ساوى في البحرين: العلاء بن الحضرمي، وأرسل إلى المقوقس: حاطب بن أبي بلتعة، وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم الذين حملوا رسالة النبي ودعوته إلى الملوك المجاورين.
ومن هؤلاء الملوك الذين كانوا محيطين بجزيرة العرب كان كسرى الفرس، وهو على أصح الأقوال كسرى الثاني (أو خسرو برويز). فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم بطلنا عبد الله بن حذافة السهمي إليه.
ومن المعلوم جدًا ما تحمله الفرس من نظرة اتجاه العرب؛ فنظرتهم لم تكن نظرة إيجابية ولم تكن نظرة مبشرة. كانت نظرتهم أنهم مجموعة قبائل همج يتقاتلون ويتحاربون على أمور تافهة مثل سباقات الخيل كداحس والغبراء أو غيرها. فما كانوا يعبؤون لهم كثيرًا، وكان حاصل أمرهم أن بينهم وبين العرب المناذرة، وهم الذين يتولون التواصل معهم، ولا يلقون بالًا إلى غيرهم من القبائل العربية.
فكانت هذه أخطر مهمة وأصعب مهمة، وأوكلها النبي صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن حذافة السهمي.
وكانت رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى:
بسم الله الرحمن الرحيم،
من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس،
سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله.
وأدعوك بدعاء الله، فإني رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيًا ويحق القول على الكافرين.
فأسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك.
فلما قُرئ الكتاب على كسرى أخذه فمزقه، وقال:
(«يكتب إليّ هذا وهو عبدي»).
فلما بلغ ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم دعا عليهم أن يمزقوا كل ممزق، وقال:
«اللهم مزق ملكه».
فالمهمة كما رأيتم صعبة وخطيرة، والتجاوب المتوقع مع رسالة النبي صلى الله عليه وسلم من كسرى كان بهذا الشكل تقريبًا، فكانت الروح غير مبشرة.
ولو قرأ الإنسان تعامل الملوك مع رسالة النبي صلى الله عليه وسلم لوجد اختلافًا كبيرًا؛ بعضهم أسلم من ساعته، وبعضهم تردد وتقبل وشكر هذه البادرة الطيبة، ولكن الملك الوحيد الذي تعامل بهذه الصورة السلبية هو كسرى برويز.
فاستاء جدًا كسرى من هذه الطريقة، وشعر فيها خدشًا لكبريائه، فكتب إلى باذان عامله في اليمن، وطلب منه أن يبعث رجلين جلدين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيوصلان رسالته ويأتيان به إليه.
فأرسل باذان رجلين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقدما إلى المدينة، فدفعا كتاب باذان إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهما إلى الإسلام، ثم قال لهما:
«ارجعا عني يومكما هذا حتى تأتياني غدًا فأخبركما بما أريد».
فأعطاهما مهلة. فلما جاءاه من الغد قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أبلغا صاحبكما أن ربي قد قتل ربه كسرى في هذه الليلة».
والذي حصل أن (شيرويه) ابن كسرى قتله في تلك الليلة.
فما إن وصل الرجلان إلى باذان حتى أسلم باذان، وأسلم الأبناء معه من الفرس الذين كانوا في اليمن، فكان باذان أحد رجال النبي صلى الله عليه وسلم.
فهذه القصة الأولى، والتي تجلت فيها صورة أن النبي صلى الله عليه وسلم وثق في هذا الصحابي بالذات ليحمل رسالته إلى كسرى.
القصة الثانية
وردت فيها روايتان.
الرواية الأولى: أنه في حروب المسلمين مع الروم أُسر عبد الله بن حذافة السهمي، فلما أسروه حملوه إلى ملكهم. وكان هذا الملك يسمع بأمانة العرب ورباطة جأشهم وحرصهم الشديد على إعلاء كلمة الله.
فلما جاءوا به عرض عليه التنصر، فقال له: تنصر وأنا أشركك في ملكي وأزوجك ابنتي.
فكانوا يحاولون استمالته بمتع الحياة الدنيا مقابل أن يتنصر.
فكان رد عبد الله بن حذافة قويًا جدًا، فقال:
لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب على أن أرجع عن دين محمد صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما فعلت.
فقال ملك الروم: إذن أقتلك.
فقال: أنت وذاك.
فالموضوع بالنسبة له واضح جدًا وبسيط، فما خرجوا أصلًا من ديارهم وتركوا جزيرة العرب إلا لإحدى الحسنيين: إما النصر وإما الشهادة.
فلما أحس ملك الروم بهذه الرباطة أمر بقتله. وكان عندهم طريقة عجيبة في القتل شنيعة.
فأتوا ببقرة جوفاء مصنوعة من النحاس، أي أنهم كونوا نحاسًا على شكل بقرة مجوفة بحيث تسع إنسانًا من الداخل، فيأتون بالأسير الذي يريدون قتله فيحشرونه في هذا الثور النحاسي ويغلقون عليه.
ثم بعد ذلك يضعون تحت هذه البقرة جمرًا محطبًا فيحمونها، فيموت الإنسان ببطء وألم شديد. وإذا صرخ الإنسان في داخلها قيل إنه يخرج من هذه البقرة صوت يشبه خوار البقرة.
فلما رأى عبد الله بن حذافة السهمي هذا الموقف بكى، فكأنما طمعوا فيه، فعادوا فاستمالوه
فقال: إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة تلقى في هذا (القدر)، فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله.
وهذه طريقة عجيبة في التأمل والتفكر وفي تسخير النفس وبذلها في سبيل الله سبحانه وتعالى، فهذا المستوى من الإيمان لا يصله أي أحد، ولا يقدر عليه أي أحد.
الرواية الأخرى: أنه سجن ومنع عن الطعام والشراب أيامًا، ثم أرسل إليه رضي الله عنه بخمر ولحم خنزير، فلم يقربهما رغم ما عنده من الجوع والعطش الشديدين.
ثم استدعاه الملك فقال له: ما منعك أن تأكل؟
فقال: أما إنه قد حل لي حكمًا في حالة الاضطرار الشديد، ولكن ما منعني إلا لأشمتك بي.
فقال له الملك: فقبل رأسي وأنا أطلقك.
فقال له عبد الله بن حذافة السهمي: وتطلق معي جميع أسرى المسلمين؟
قال: نعم.
فقبل رأسه، فأطلقه وأطلق معه جميع أسرى المسلمين.
فلما رجعوا أخبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بما حصل، فقال عمر بن الخطاب تلك الكلمة:
«حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة السهمي، وأنا أبدأكم بذلك».
فهذه قصتان أو ثلاث قصص اشتهرت لعبد الله بن حذافة السهمي.
والصحابة رضوان الله عليهم بطولاتهم كثيرة ومسجلة في الكتب، ويحسن بالإنسان عندما يقرأ في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين أن يسجل ويدون تلك البطولات المجهولة التي قل أن تُذكر في المحاضرات والقصص والندوات.




