بينا كنت أتصفح أسفار جدي البالية، تمايز عنها كتاب غريب، سمي ب”مرشد الحيران إلى طبائع البريطان” لرحالة لم أسمع به من قبل هو: “ابن قطقوطة السفرجلي” والأغرب أن جدي لم يحدثني عنه قط، فتلقفته يداي متسائلة عن فحواه، فما إن أخذت بقراءة المقدمة إلا ووجدتني قد فرغت من الكتاب على حالتي تلك، وأعجبني في الكتاب أسلوبه الذي كما لو حملني إلى أرض البريطان، فقررت أن أشارك مقتطفات ونكتًا من الكتاب:
فقال يصف زيارته للمتحف البريطاني للطبيعة:
“زرت صباح اليوم متحف البريطان للطبيعة، وتسميته بمتحف سرقات البريطان أقرب إلى الواقع.
فقد استولوا على تحف ومستحاثات وجواهر وكنوز أممٍ قد استعمروها، وحجتهم في هذا أن الشعوب أقل إدراكًا لقيمة هذه التحف، وأشد تخلفًا في الحفاظ عليها، فهي بين يدي الأبيض الذكي المتعلم المتنور آمنة من يد صاحبها الأصلي، ولهذا يرفضون إرجاعها، وذريعتهم أنها لولاهم لاندثرت وانمحت.
ويستقبلك في المتحف تمثال تشارلز داروين، أبو نظرية التطور، والاحتفاء به في كل جنبات المتحف يريك الطغيان الذي تمتلكه النظرية في المجال العلمي الغربي.
والنظرية ممتعة كقصة جميلة تُروى للأطفال قبل النوم؛ هذا الكون الذي نشأ معتمدًا على نفسه كليًا، ثم نعلم عن لوسي تلك التي هي أم البشر جمعاء، وما إلى ذلك. أما اعتمادها علميًا فلا يصح، والنقاط العمياء التي قفزوا عليها كثيرة، وذلك لأنها أقرب شيء تلقفته نفوسهم المشحونة ضد كل ما هو ديني أو يوحي بالتدين، حتى إن نظرية الانفجار العظيم قوبلت بالرفض أول أمرها لطبيعتها الدينية؛ فأزلية الكون كانت هي النظرة الإلحادية المقبولة علميًا.
(ابن قطقوطة السفرجلي، مرشد الحيران إلى طبائع البريطان، ص ١٢–١٥).
وقال يصفهم:
"ما إن تطأ قدماك أرض البريطان حتى تلفحك ريحة صنان، ولا أعلم ما لهؤلاء القوم، كيف لا يعرفون إلى الماء والصابون سبيلًا؟! وهذه الريحة في أصل خلقتهم، لو دلكوا جلودهم دهرًا ما برحت رائحتهم من جلودهم، فكيف إذا علمت ما لهم من عادات غذوية، كتضلعهم من البيرة حتى تخمجت كبودهم وتفجرت أمعاؤهم، ولقد رأيتهم يشربون الجعة أو شراب الشعير في الرواح أو بعد الزوال بقليل، وتلك أقداح تسع قبضتك وساعدك من حجمها.
وهم -أي البريطان- مصداق حديث النبي ﷺ: «الكافر يأكل في سبعة أمعاء». فانظر إلى فطورهم هذا الذي يبدأون به يومهم، وهذا الطبق بحجمه محذوفٌ منه قديد الخنزير، والنقانق، وأيضًا ما يسمونه الـ(بودينق)، وهو دم مسفوح خلطوه مع سكر وخثروه ليؤكل جامدًا.
فإذا كان هذا فطورهم، ثم في غداهم يشربون تلك الكمية، فلا غرو من انتفاخ أكبادهم، وسوء رائحتهم”
(المرجع السابق ص ٢٧–٣٠).
وقال يصف شوارعهم، وفيه حديث عن بلاده- لم يذكرها في كتابه-:
"يعجب الإنسان من أرض البريطان: كونها مهيأة للرجالة قبل الركبان، فالأرصفة هي أغلب الطريق، وللسيارات مسار يضيق، وفي كل إشارة علامات وإشارات تجوز من عندها إلى الجهة المقابلة، وللماشي احترامه وتقديره وتوقيره، فله الأولوية ولو لم تخضر إشارته، أو لو قطع الطريق في غير مساره.
فتأمل حالهم إلى حال شوارعنا إذ يكون قاطعها شهيدًا ينتظر شهادته، وهو يقطع ليس إلا رصيفًا عرضه بعرض الطريق نفسه أو دونه بقليل، ليعود فيتشهد قبيل قطعه الشارع الثاني إلى وجهته.
وللشعب هاهنا احترامٌ لخطوط الطريق، فلاحترامهم الإنسان فإنهم كما ذكرت: يعطونه جوانب الطريق، ثم يزيدون على ذلك باستحداث مسار خاص لوسائل النقل العامة والدراجات.
وأعجب ما رأيت أن يزدحم المسار الطالع والمسار النازل خالٍ، ولم يقم أحدهم بتجاوز من أمامه.
[فشعبنا الحبيب لو تُرك لهم مثقال ذرة من مساحة لـ«سقط عليك» وأخذ مكانك، وإشارتك بالإضاءة إلى مكان نزولك هي تعدٍّ سافر على عرضه، ولو ترك لك المجال لفارقته زوجه ازدراءً له.] (١)
وللأشجار عندهم ظل وارف يقيك من لهيب الشمس، فتقلك قدماك، فهذه الأرصفة الواسعة، والأظلة الوارفة، والنسائم اللطيفة، تناشدك الله ألا تتوقف عن السير، وتتأمل صنيع الرحمن في أرضه، فسبحان الله وحده."
(المرجع السابق ٤١–٤٦).
(١) ما بين المعقوفتين ليس ضمن النسخة الأصلية بخط المؤلف، وإنما هي زيادة ضمن الإملاءة الأخيرة على تلاميذه، وبعد الدراسة يظهر أنه أملاها بعد مكوثه في إحدى البلدان ردحًا من الزمن.
وقال يصف مسكنه:
"سكنت في لندن في منطقة «لندن المدينة» أو City of London، وهو أقدم أحيائها -إن صح التعبير- فلندن المدينة تختلف عن مدينة لندن؛ فالأولى مدينة صغيرة وتعد حيًا في مدينة لندن، والعجيب أن لها عمدة مختلفًا عن لندن، ولها مجلس نواب مختلف، ولها شرطة ومراكز حكومية مختلفة عن مدينة لندن.
وقصتها أن الرومان إذ توسعوا في الأرض فقد وصلوا إلى هذه الجزيرة «بريطانيا»، فأنشؤوا مستوطنة فيها على ضفاف التايمز، فعمروها وأنشؤوا فيها القلاع، وقننوا القوانين، وأقاموا دولة منيعة حصينة.
ثم حصل أن جاء ويليام النورماندي الملقب بـ«المستعمر»، ففتح البلاد عنوة مدينةً مدينةً حتى استوقفته قلعة «لوندينيوم» وأعياه فتحها لشدة حصونها، فاستوى أمره إلى مصالحة أهلها على إبقاء قلعتهم كما هي، على أن يعتبروه ملك البلاد.
ولأن المدينة بُنيت على أيدي الرومان، وهم أصحاب فكر ومنطق وقانون، غدت مدينة غنية اقتصاديًا، وهو ما جعل ملوك إنجلترا على تخوف منها ومن انقلابها، فأُنشئت حولها «ويستمنستر» للحيلولة دون قيام ثورة منها، فقامت الدنيا حول العاصمة، وتمدنت وتوسعت ويستمنستر حتى ابتلعت «لوندينيوم» في جوفها، وصارت مدينة «لوندينيوم» في مدينة «لندن» في دولة «إنجلترا» في دولة «المملكة المتحدة»."
(المرجع السابق، ص ٧٣–٨٠).
وقال يصف ديانتهم:
"وفي أمر الدين؛ فإن غالبية البريطان على ملة البروتستانتية، وهي إحدى ملل النصرانية، وأصلها أن شابًا اسمه مارتن لوثر لم يعجبه ما أضحت عليه الكنيسة الكاثوليكية، من ليٍّ لأعناق النصوص المقدسة، والترهبن الظاهري الذي كسا رهبان الكنيسة، وأكثر ما أغضبه هو بيع صكوك الغفران، في تربح مادي واضح من أمور لا تلامس جوهر الدين، وأيضًا ما للبابا من مرتبة لا يرى أنه من المعقول أن يحوزها إنسان، فما البابا إلا عبد كغيره، ولا يسلم له ما ادعاه من علم وتشريع خاص، إلى كل ما رآه من انحلال أخلاقي وديني في المجمع الكاثوليكي في روما.
فعلق على أبواب كنيسة من الكنائس ما يربو على خمسة وتسعين اعتراضًا على الكنيسة الكاثوليكية، فسموا بذلك بالبروتستانت، لأنها من الكلمة Protest وتعني الاعتراض.
فأحدث فكره حراكًا فكريًا، وأشهر من تأثر به هو جون كالفن، وقد خالفه في عدد من القضايا، ما جعل له فرقة خاصة، وهي الكالفينية، وهم في التأثير أقوى من اللوثرية (أتباع تعاليم مارتن لوثر) وإن كانوا أقل عددًا.
أما كيف صار المذهب الألماني المنشأ ديانةً لإنجلترا كلها مستحلةً محل الكاثوليكية، فالحقيقة أن هذا التحول لم يكن جراء بحث عقدي حقيقي، أو اتباع لمذهب قدم أطروحاته وتلقاها الملأ بالقبول، أو نتاج نشاط دعوي انتشر في الكنائس والساحات والحانات العامة، بل إن حقيقة الأمر أدنى وأخس من ذلك.
فحاصل الأمر أن الملك هنري الثامن ورث ملكه بعد حروب طاحنة سبقته، وأراد أن يؤسس لمرحلة قادمة يكون فيها انتقال العرش أقل دموية وفوضوية.
فأراد الملك هنري الثامن أن يبطل زواجه من كاثرين الأراغونية، فيتزوج من بعدها امرأة تأتي له بابن ذكر يكون وريثه من بعده.
فعندما عرض هذا الأمر على البابا الحالي، رفض البابا إبطال الزواج. وتعذر الملك هنري بأن زواجه منها باطل بالأساس لأنها كانت زوجة أخيه من قبل، والكاثوليكية تحرم هذا، ولكن البابا السابق قبل هذا الزواج، والبابا الحالي صيانةً لقرارات البابا السابق لم يلغ هذا العقد. وأيضًا فإن كاثرين هذه هي عمة للملك تشارلز الخامس، وكان له نفوذ وسلطة على البابا.
والطلاق بغير فرية الزنا ممنوع، فحينها أصدر الملك هنري قرارًا باستقلال مملكته عن الكنيسة الكاثوليكية، وأعلن عن كنيسة إنجلترا، مذهبًا مستقلًا عن الكاثوليكية، ويكون الملك هو رأسها الأعلى، وأمضى ما كان يريده من إبطال الزواج من كاثرين، وأنشأ نظام التولية من بعده، وهو أن يكون الحكم لأقرب فرعٍ ذكر للملك.
تطورت كنيسة إنجلترا من بعده، واتجهت نحو البروتستانتية الإنجيلية، التي تأخذ نصوص الكتاب المقدس بحرفية وظاهرية فجة، ونشأ من تبعاتها الصهيونية المسيحية التي تسلم بأن لليهود الحق في أرض الميعاد، ويستذكر الإنسان آرثر بلفور، رئيس وزراء بريطانيا ووزير خارجيتها، الذي أعطى وعدًا لمن لا يملكه إلى من لا يستحقه."
(المرجع السابق ص ١٢١–١٣٣).
وقال يصفهم كذلك:
“يمتاز البريطاني بلباقة عجيبة في الرد، فهم يتحفوك بـ(sorry) أو (pardon) أو (no worries) و(Thank you) ويغرقونك بها في كل حين، وفيهم سمو وأدب في التعامل، ولا يلتفتون إلى السائح وما أحدث، وإذا تقاطع دربهم مع سائح أغرقوه بتلك الكلمات ومضوا إلى سبيلهم.
فلا تجد ذلك الاستنكار والنظرات الحارة، والتجهم وتكلف الأدب، الذي ستلقاه في كثير من بقاع الأرض، وقصارى أمرهم أنهم منشغلون بيومهم أو خططهم وإذا اتصلت بأحدهم لأي سبب لم يغير هذا من سمته إلا أن قد يبادر بالاعتذار والشكر.
ولا أقول انه لا يوجد منهم عنصريون أو اشخاص بغيضون، وإنما أقول أنني لم أجد في رحلتي هذه ايًا من هذا.
ولعمرك إن هذا هو السمو الحقيقي، والاعتزاز الفعلي بالذات، فالبريطاني يرى نفسه سليل إمبراطورية لم تغب عنها الشمس، وهو أن لم يعد كذلك واقعًا، إلا إن الإحساس موجود، ثم هو لا يجد في نفسه حاجة لإثبات علوه لأحد، فمعاملته لك بالأدب والود لأنه لا يجد منك منازعة لعلوه.
والشعوب في تعاملهم مع السائح أضراب، فمنهم من انقهر بعد غلبة، وألجأتهم الدنيا إلى السياحة مصدرًا للدخل، فترامهم يستثقلون السائح ولربما اتحفوه بالضرب والـ"بوقس" ففي أنفسهم احتقار لحالهم يخرجوه بهذا التجهم.
ومنهم من هو في طبيعته مضياف كريم، بلاده وإن احتاجت للسياح، إلا أنه يحب أن يكرم ضيفه، فيبالغ في الود والكرم، وهو ما تتسم به بعض الدول الآسيوية والأفريقية.
ومنهم من أن بسطت يدك أراك وجه الكريم، ثم إذا قبضتها لم ترى منه غير جانبه اللئيم، فهو عبدٌ للقرش والهلل، وهذه البلدان واضحة في هذه السياسة فإذا أدركت هذا لن تكون رحلتك متعبة.
وليت أن شعوبنا أخذت منهج البريطان، فالسائح يأتي بخطة مرسومة ووكالة أنجزت له أموره، وهو -في الغالب- حذق يفهم كيف يقضي شؤونه إذا وجد نفسه في معضلة، وللدولة وسائل لإرشاده، وهب أنه سافر ارتجالًا بلا خطة أو بينة، فهو ما فعل ذلك إلا ليعيش تجربة محلية خالصة، فأن تأتي لتظهر له كرم العرب -الذي لطالما صور أنه بذخ استعراضي ليس لله منه شيء- هو حرمان له من تجربة لم يطلبها، وهو كذلك ترسيخ للإحساس بالدونية، فهذا الكرم في اغلب أحواله حصري لمن له في بشرته ميلانين أقل، فإذا زاد قل الكرم أو انعدم، وتلك اللهفة بأن يرى الغربي تحضرنا وتمدننا وكرمنا تعمق من أثر إحساسه بالتفوق، وأسوا ما رأيته تلك الدعاوى بضرورة الظهور بمظهر لائق أمام الغربي، ورأيت أحدهم ينادي بمنع بعض فئات المجتمع من مقابلة السائح! خوفًا من أن تعاد صورة العربي المتخلف لذهنه وكأن أصل وجودها ينبغي أن يهمنا.
قطعت مشرق الأرض ومغربها، ورأيت أسوأ الخلق في أحسن الشعوب ، فما ارتاعوا لوجودهم أو اغتموا أو دسوهم تحت التراب، هم من الشعب والتعامل معهم جزء من التجربة رضيت أم لم ترض.
لا يريد منك السائح إلا أن تكون ودودًا، لا جلفًا ولا متلهفًا لإعجاب، ولا أعز وأفخر بأن تعامله بما تراه لنفسك لا بما تريده أن يراك."
(المرجع السابق، ص٥٠٠-٥٠٤)
بعض الصور الملحقة بذيل الكتاب:
هذا ما تيسر نقله من “مرشد الحيران إلى طبائع البريطان” وصلى الله وسلم على سيدنا محمد
*صورة الغلاف مولدة بالذكالي























نقل رائع وموفق وطريف .. غلاف الكتاب "دخلني جو" 😆
إستمتعت وأنا أقرأ ،فأسلوب وطرح ممتعان ويخلوك تكمل تقرأ بلا ملل