تحقيق كتب التراث الإسلامي
المعنى والأهمية
بسم الله الرحمن، الكريم المنان، خالق الثقلان، الهادي إلى سبيل الرضوان، والصلاة والسلام على المصطفى من ولد عدنان، المبعوث رحمة للإنس والجان، الموحى إليه بالقرآن .. وبعد:
إني لما رأيت القوم قد همّوا بالقراءة الجادة، وشدوا إليها الرحال، وأخذوا في الإطلاع على تراث السلف والعلماء المحققين والأدباء المتمكنين؛ كان من اللازم لفت النظر واسترعاء الذهن إلى مسألة يعجز عنها الكثير، وتزل قدمهم فيها؛ لحداثة عهدهم بالأمر، وقلة حظهم فيه، وقد يقعون فيها بأغلاط تكلف عليهم مالًا وجهدًا .. وهي مسألة《تحقيق الكتب》
فإنه عند نيتك ببناء مكتبة كبيرة ومكتبة محترمة، وعند همك بقراءة كتب السلف وكتب التاريخية الإسلامية القديمة من العصور السابقة، سيفتح لك هذا الباب.
فعندك مثلا كتاب مسند الإمام أحمد، تجده مثلا بتحقيق الشيخ عبد القادر الأرناؤوطد وتجده بتحقيق الشيخ محمد شاكر، فكون فيه مؤلف (وهو الإمام أحمد) ومحقق وهو الشخص المعاصر الذي أبرز الكتاب وأظهره للعامة والملأ.
ومسألة التحقيق مسألة مهمة جدا لمن أراد أن يبني مكتبته العلمية والشرعية والإسلامية والتاريخية بشكل عام، لأن التحقيقات تتفاضل فيما بينها على حسب حذق الكاتب والمحقق، ومهارته في التحقيق هي مسألة لا يمكن أن تكون مسألة هامشية.
والتحقيق هو باختصار: أن المؤلف سابقا في الأزمنة السابقة كان: إما أنه يكتب الكتاب بخط يده. وإما أن يكون إملاءً على طلابه وتلاميذه أو ابنه أو عبده أو أي من كان، فيكون الكتاب بخط عبده وبخط ابنه وبخط طلابه. وإما أن يكون عن طريق ممن يقومون بحرفة النسخ سابقًا، فيأتيه رجل بنسخة من النص فيعطيه الناسخ لينسخه له.
والناسخ في السابق كانت مهنة تقوم مقامها الطباعة، فإن المؤلف كيف تصل كتبه إلى القرى وإلى العلماء وغيرهم إلا عن طريق النسخ؟! فإنه يأتي شخص للناسخ فيطلب منه أن ينسخ هذا الكتاب فيكون بخط الناسخ.
وعندما يأتي المحقق مثلا لأحد كتب ابن تيمية مثل كتاب درء تعارض العقل والنقل، فهذا كتاب كتبه ابن تيمية بيده فرضًا، وبعض الصفحات غير موجودة بخط يدهد والصفحات الأخرى وجدها في نسخة لأحد طلابه، وبعض النسخ أيضا هي كتابة أحد النساخ.
وهناك التحقيقات حصلت في أزمنة حديثة نوعا ما، مثلا فتجد الكتاب عليه طبعة بولاق أو طبعة أحد الدور المنتشرة سابقا.
فالآن عنده مجموعة نسخ أصلية للكتاب، وإيجاد هذه النسخ عملية مضنية بحد ذاتها، لأنه تكون أحيانا في بعض المتاحف، وبعض المكاتب العامة، وبعض الممتلكات الخاصة لأحد التجار أو أحد العلماء، أو تكون محتفظا بها في أحد الجامعات، وطبيعي تكون مثلا جامعة في إسبانيا أو جامعة في بريطانيا أو جامعة في هولندا أو شيء من ذلك القبيل، أو تكون ملكا لأحد التجار في أي دولة من الدول.
فالمحقق يسعى ويضنى للحصول على هذه النسخ، فعندما يحصل على النسخة هذه يأتي وقتها عملية المقارنة والمقابلة، فيأتي مثلا إلى النسخة هذه فيقول مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم، هنا مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم، يثبتها في الكتاب الذي يبرزه للعامة.
ثم بعد ذلك أحيانا يكون فيه بعض النسخ تكون فيها أخطاء، يكون خطأ مثلا من التلميذ، يعني مثلا النسخة الأصلية للمؤلف مكتوب فيها على، لكن التلميذ أو الناسخ كتب علي مثلا أضاف نقطتين من رأسه، والعكس. والمحقق ينتبه لهذه الأمور ويركز عليها.
إضافة إلى ما سبق؛ هناك عمليات أخرى مهمة جدا في التحقيق ك:
ترجمة الأعلام، فيذكر مثلا الإمام أحمد، يقول قال الإمام أحمد، فيأتي المحقق ولا بد عليه أن يترجم ولو ترجمة مختصرة للإمام أحمد، فيقول الإمام أحمد بن حنبل التيمي إمام أهل السنة، ولد في بغداد، وهكذا إلى آخره.
إذا كان الكتاب في الأدب وذكر المؤلف أبيات شعرية فينسبها لصاحبها، ويذكر إذا كانت موجودة في ديوانه أم لا، وأحيانا يكون المؤلف أخطأ، المؤلف الأصلي أخطأ في النسبة فيصحح هذه النسبة.
في الكتب الإسلامية وكتب التراثية يوجد تخريج الحديث، فيذكر المؤلف حديثا فيقوم بذكر تخريجه، ويذكر الكتب التي ورد فيها وحكم الحديث وما إلى ذلك.
وأيضا بيان المجهول والغريب من الكلمات، لابد أنه يشرحها، بعض المغاليق المعينة في الكلمات لابد أنه يبين معانيها، ويبين الصحيح منها.
فهذا كله داخل تحت مسمى التحقيق.
ويتفاضل المحققون فيما بينهم، فبعض المحققين لا يؤدي العمل المطلوب منه على أكمل وجه، وبعضهم يؤدي بأفضل ما يمكن، وعليه تجد أن الكتب أو بعض دور النشر التي تمتلك مجموعة من المحققين المتميزين تجد أن كتبهم أغلى من أولئك الذين يعملون بنصف الجهد.
وكما أن الإنسان في حياته اليومية يختار لنفسه أفضل المطاعم، ومستعد أن يدفع لذلك، ومستعد أن يدفع للبس ذي الحياكة الممتازة أو القماش، ففكذلك التحقيق الممتاز يستحق أن يدفع له.
وإذا أراد أن يوفر على نفسه فسيجد التحقيقات المتوسطة أو دون المستوى، والتي تغنيه عن شراء التحقيق المرتفع. فهناك بعض دور النشر التي تنشر كتب هدفها الأساسي تجاري وليس علمي، فيكون التحقيق أقل بكثير من دور النشر التي تستهدف طلبة العلم والمحققين أو أصحاب الرسالات العلمية والأبحاث.
فيكون مثلا سعرها متوسط والتحقيق أقل، فتجد فيها التصحيف والأخطاء الإملائية، ولا يتوقع الإنسان تخريجا متكاملا للأحاديث، إنما ذكر فقط حكمها أو شيء من هذا القبيل.
فهذه كتب تجارية، والإنسان مخير بين أن يأخذ الكتب ذات التحقيق الممتاز والسعر المرتفع، أو يأخذ الكتاب ذات التحقيق المتوسط والسعر البسيط والسعر الرخيص.
والوصول إلى أفضل طبعة وتحقيق لكتاب أمر متيسر ولله الحمد، فالقراء وطلبة العلم يعاونون بعضهم في هذه المسألة، ولهم قنوات ومواقع ووسائل متاحة للسؤال والإجابة.
فهذه أشياء مهمة جدا على الإنسان أن يستحضرها في باله، وبإذن الله يكون أفدنا أو وضحنا مسألة قد تكون غائبة عند البعض.
وهذا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.
هذا مقال مفرغ، وأصله مقطع صوتي، فالسموحة أن بدى سبك الكلام غريبًا



شكرًا لك، وجزاك الله خير