حديثُ الشاب والشيخ
هذا موقفٌ يتكرر كثيرًا في المسجد الذي أصلي فيه الجمعة، ففيه شيخ وقور يبهرني التزامه، وقررت أن أعرض الموقف من الجهتين، جهتي وجهة الشيخ:
فأقول:
الشيخ الوقور
في الجامع الذي أُصلي فيه الجمعة؛ يصلي فيه شيخٌ وقور، هيئته توحي بأن عُمَره قارب الثلاث خانات، ظهره محدب كأن العالم فوق ظهره، وبين الخطوة والخطوة تستطيع أن تأخذ المسجد سعيًا، وإذا وَصلَ إلى الدرجِ يكونُ نزولُه بين الدرجة والدرجة مسيرةُ ألفِ عام، وينتظره عند نهاية الدرج مشَّايته التي يتواكأُ عليها، بل هي تشيله إلى بيته.
والشيخ -أطال الله بعمره في صحة وعافية- كلّما رأيته مددت له يد العون، ولكنه بكل عزةِ نفسٍ يرفضها، ومرات لا يرد أصلًا، وكأنّما الشيخ يَتحرى وقت خروجي من صلاة الجمعة ليَخْرُجَ معي، فيهزأ بي في موقفي الحرج، فلا ضميري يسمح لي بتركه، ولا هو يقبل أن أساعده، فأقف أتأمل فيه إلى أن يصل إلى مشّايته وأنا مكتوف الأيدي.
وهو على أن سلسلة انتصاراته عليَّ مستمرة، إلا أني قد انتصرت عليه انتصارًا خجولًا، ففي أحدى مرات وجدته يبحث عن حذاءه، ووجدناه ملقى بعيدًا عن أسفل الدرج، ربما قام أحد الغشّام غير قاصدٍ بركله بعيدًا، وما كان لهُ بدٌّ من طلب المساعدة، فساعدته وأنا زاهيٍ بانتصاري عليه، ولكنه انتصار وحيد أمام سلسلة انتصاراته العريضة.
ثم بعد فترة من الزمن ظهر أنّ ما كنت اسميه الشيخ الوقور هو في الحقيقة شيخان وقوران، وما ذلك إلا دليل على عنصريتي ضد الأشياخ وأنهم عندي كلهم بهيئة واحدة -وعفى الله عني-.
وقعت على هذا الاكتشاف اليوم، فبعد انتهاءي من اذكاري وقراءتي هممت بالخروج، ورأيت أن الشيخ يعد الرحال كذلك للخروج، وقلت في نفسي: ممتاز، سأصل إلى الباب وارتدي حذائي وأصل إلى بيتي وأسلم على أمي، والشيخ ما زال يجر خطواته في المسجد، وسأتجنب ذلك اللقاء الثقيل المحرج.
وما إن وصلت إلى الباب وإذ بشيخ مثله يتجهز للنزول إلى الدرج، فإما أن يكون الشيخ من أصحاب الطرق، وله من العلم اللدني وأسرار الغيب ما يجعل ملكًا بإزاءه يحمله إلى حيث أراد، أو أن هذا شيخًا آخر.
ومن الفروقات الظاهرة بينهما أن أحدهما يتوكأ على مشاية، والاخر يكتفي بعصا، ولقد كان من قلة حذقي وضعف نظري وبلاهة عقلي الظن بأن الشيخ كان يراوح بين الأداتين، يستخدم ما شاء منهما.
وهما إن كانا كيانين مختلفين بقصة وسيرة مباينة، إلا أنهما اتفقا في الهزء بعرضي البارد المدفوع بتأنيب الضمير لمساعدتهما، وقد أزعمت على الصلاة في مسجد آخر حيث يكون المصلين أكبرهم سنًا شابٌ بعمر الورود -والله المعين-.
ويتسم الشيخ -ذي المشاية- بنبرة حازمة وهادئة في رفض المساعدة، فقررت أن استنطقه فقال:
شباب مسجدنا النَّزِق
يصلي حيث أصلي مجموعةٌ من الشباب النَّزِق، آثرتهم الحياة عليَّ، فأعطتهم الفتوة والخفة والاستواء، ورمتني بالكُهولة والهَرَم والثِّقل، وأراهم — كما كنتُ يومًا — يمشون فرحين غير عابئين ولا آبهين بأن الحياة ستفتُّ عظمهم كما فتَّتَت عظمي، وتُضعِف بصرهم وسمعهم كما أضعفت سمعي وبصري، وأراهم يأتون إليَّ، يمدون يدًا ظاهرُها من عون، وباطنُها سُخريةٌ مما رمتني به صروف الدهر.
وأخصُّ منهم واحدًا يداوم على الإتيان إليَّ، وليس أهزلَ من عقله وثقته بنفسه إلا عرضُه عليَّ المساعدة، يأتيني ليُنزل عن كاهله طلبَ مساعدتي ليضعه على كاهلي الذي كان — ولا زال — يحمل الهموم والمسؤوليات والأبناء والأحفاد.
لا والله لا يفرح بها ولا يهنأ،
أغرَّه تقوُّس ظهري؟ وقد كنتُ أَنتصب للأعادي، وأحمل فوق ظهري همومًا فوق همومي، وإليَّ يستند أهلي وعشيرتي.
أغرَّه ثِقل حركتي وخطوتي؟ وأنا الذي كنت أسبق الخيل والريح صوب المعالي، وإلى المشارف كنت أعدو حتى لا يُرى مثلُ عدوي.
أغرته مشايتي وهي تحدُّ حركتي؟ وقد كنت قبلها صعبَ الانقياد، عطّافًا إذا الخيل أدبرت، سريعًا إلى الهيجاء ولا أُبالي.
أغرَّه تلعثُم لساني؟ وقد كنتُ خطيبًا في المجالس والنوادي، إذا قلت أُسمِع، وإذا نُطِقت سكت القوم رغبةً في ازديادِ.
إني وإن وهن العظم مني واشتعل بالشيب شعري، فإن روحي تتذكر صولاتي وجولاتي، تتذكر أفراحي وأتراحي، تتذكر يومًا أجري فيه لا لشيء إلا لأني استطيع، تتذكر أيام يذبل جسمي سعيًا في حاجة ذا وذاك، وإن تراخى عن خدمة روحي جسمي، فإنها ما تفتأ تألفه ذلك الجسم البطل الشديد.
رُدَّ إليك يدك، لم أحتج إليها يومًا، بل أنت ومثلك من يحتاج إليَّ.
لا يغُرَّك أني في دنوٍّ للأجل،
وأنت الذي أعماه طول الأمل،
وقد كنت — ولا زلت — قبل لقائنا نجمًا يأبى الأَفل
ألا تراني أهُبُّ لحيّ على الفلاح ألبي النداء بلا كسل،
قف تأملني واتعظ بأنقى العبر وأجلى المُثُلْ،
أن هذه الدنيا لا تدوم لشاب أو شيخ حان منه المرتحل،
فاغتنم شبابك فيها وبادر قبل أن يعييك الكلل...
في الختام،،،، أسأل الله أن يجعلنا من أهل المسجد، المحافظين على الصلاة فيه، المتزينين عنده، المعلقة قلوبه به وفي الحديث من السبعة الذي يظلهم الله يومَ لا ظل إلا ظله: رجلٌ قلبه معلق بالمساجد.


