في معنى قول النبيﷺ: «لأن يمتلئ جوف رجل قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا».
عرض مختصر لأقوال العلماء في المسألة
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإني لا أعلم ما يمكن للإنسان أن يقوله في حق الشِعر ولم يقله أحدٌ من قبل، فقد تناقل الأدباء وغيرهم على ألسنتهم وبمداد أقلامهم الحديث عن الشعر وميزاته وفضائله، فأبدعوا في العبارة، وأبلغوا في الصياغة، فما تركوا للآخر من شيء، إلا أن للآخر رغبة في الحديث والتعبير ولو لم ترتقي بوصف السابق.
وإنه لمن العجيب تأثير هذه الكلمات والحروف في الإنسان، فتستثير في روعه أحاسيس طربية إذا ما طرقت أذناه ذلك الكلام الموزون المقفى، وليس الأمر في الرجز الموسيقي وحده، بل هو أيضًا في تلك المعاني التي تصيح نفسه التي بين جنبيه لأنها وجدت أخيرًا المعاني التي عجزت عن التعبير عنها.
فالشعراء ينتقون بدقة متناهية من عمق لجج الألفاظ لآلئ تنسج أعقادًا باهرة، فتوافق جيد الحسناء:
وفي عنق الحسناء يستحسن العقد
فلا أدق وصفًا وأبلغ تعبيرًا وأحسن بيانًا من بيت شعري؛ يُعبر عمّا اختلج داخلك، فالشعراء غواصون، وهم كذلك رسُل بيان، ينبؤونك عن صحيح الوصف وسليم العبارة.
والشعر ديوان العرب ومستودع أخبارهم وبطولاتهم وأيامهم وانتصاراتهم وظفرهم وكرهم وفرهم، وفيه بيان لأحسابهم، وتسجيل لأنسابهم، وكان إذا اعترض أو لاح عليهم أمر، اطلقوا ألسنتهم بذكائهم الحاد وفؤادهم الصادق, فأنشدوا به ما اختلج صدورهم، فيمدحون على السجية ويستنجدون على البديهة، ويرْثون بما تمليه عليهم القريحة.
وقال محمود شاکر:
"وكان الشعر في الجاهلية عند العرب ديوان علمهم, ومنتهى حُكمهم, وبه يأخذون, وإليه يصيرون. قال ابن سلام: قال ابن عون, عن ابن سيرين, قال: قال عمر بن الخطاب: كان الشعر علمَ قومٍ لم يكن لهم علمٌ أصحُّ منه"
وللشعر فوائد جمّة تعيي كف من هم بجمعها، هذا وقد نقل الثعالبي بعض من ذكره العرب في فضائل الشعر، فقال:
"ويقال: الشعر لسان الزمان، والشعراء للكلام أمراء . وقال بعض السلف: الشعر أدنى مروءة السرى، وأسرى مروءة الدنى. وقال آخر: الشعر جزل من كلام العرب تقام به المجالس، وتستحج به الحوائج، وتشفى به السخائم. ويقال: المدح مهزة الكرام وإعطاء الشاعر من بر الوالدين . وقال بعضهم: أنصف الشعراء، فإن ظلامتهم تبقى، وعقابهم لا يفنى، وهم الحاكمون على الحكام"
وأيضا،زفإنه يخلدُ باللسان ما لا يخلد بغيره، وقد نصب العرب بالكلام الموزون المقفى أبنية تطاول في مداها الأبراج والأهرام. فبقيت الكلمات الحية كبقاء تلك الحجارة.
ولهذا حرص الأمراء على مر السنين على أن يحطيوا أنفسهم بالشعراء المجيدين، فيحققون لهم الخلود الذي لا تستطيله أجسادهم، فهذا النعمان بن المنذر باقٍ باعتذاريات النابغة، وهرم بن سنان بزهير، وعبد الملك بن مروان بجرير وقد يقول قائل:"هؤلاء خلدوا لأفعال ثم أتى الشعراء فأثبتوها، فالفعل أسبق من الشعر".
وهذا اعتراض ممكن ولكن لدينا من الشواهد على أن الشعر أحيا الفعل وأثبته في النفوس أكثر من الفعل نفسه.
وقد جلس عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع كعب بن زهير بن أبي سلمى رضي الله عنه، فسأله عن الحلل التي أهداه هرم بن سنان لأبيه، فقال: قد بليت، ثم قال عمر: أما الحلل التي قالها أبوك في هرم فلم تبلى. ومنها قوله:
تَراهُ إِذا ما جئتهُ مُتَهَلِّلاً
كَأَنَّكَ مُعطيهِ الَّذي أَنتَ سائِلُه
وقد يستحقر الشاعر أثرَ كلامه، ولا يدري أي خلودٌ كتب لممدوحه بكلماته، فهذا المتنبي يقول لأبي شجاع فاتك الأخشيدي:
لا خيل عندك تهديها ولا مال
فليسعد النطق إن لم تسعد الحالُ
فقد اهدى فاتك الأخشيدي للمتنبي هدية، فرد عليه المتنبي بهذه الأبيات بيانًا عن شكره، فبقيت قصيدة مدح فاتك، واندرست آثار تلك الهدية.
وعندما عاتب المتنبي سيف الدولة؛ اختتم قصيدته بهذا البيت:
هذا عتابك إلا أنه مقة
قد ضمن الدر إلا أنه كَلِم
فكما أن مدح شاعر بليغ لا يقارن بغيره، فكذلك عتابه لا يليق إلا بأن يكون ذا طراز رفيع، وقول بديع.
وبحسن البيان، وبكلام كالدر الجمان، أجزى المتنبي على فاتك هديته، وأوجع سيف الدولة وحاشيته بعتابه.
وقد لا يصل الإنسان هذه المواصيل إلا بهذه المخارج الصوتية المسماة حروفًا.
أما ماذا يفعل الشعر بقارئه وحافظه، فهو أجل من أن يحصى، ولكنّا نقول:
أولًا: زيادة العلم بالقرآن الكريم
فالقراءة في الشعر الجاهلي يقوي علمك بألفاظ القرآن الكريم والحديث النبوي، وحفظ ما أُنشئ في عصور الاحتجاج يثري مخزونك من الألفاظ، واسمع قول ابن عباس رضي الله عنهما، فقد روى أبو بكر الأنبارى عنه أنه قال:
"الشعر ديوان العرب، فإذا خفى علينا الحرف من القرآن الذى أنزله الله بلغة العرب، رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا ذلك منه"
وكان يقال: الشعر ديوان العرب، ومعدن حكمتها وكنز أدبها. بل اسمع وعِ قول الإمام الواحدي صاحب التفاسير "البسيط" و "الوجيز" ومن أشهر من شرح ديوان المتنبي:
"وله المصنفات الكبار، والاستدراكات على الفحول من علماء اللغة والنحو -يريد أحد مشايخه- وكنت قد لازمته سنين، أدخل عليه عند طلوع الشمس، وأخرج لغروبها، أسمع، وأقراً، وأعلق، وأحفظ، وأبحث وأذاكر أصحابه ما بين طرفي النهار، وقرأت عليه الكثير من الدواوين، وكتب اللغة، حتى عاتبني شيخي رحمه الله يوما من الأيام وقال: إنك لم تبق ديوانا من الشعر إلا قضيت حقه، أما آن لك أن تتفرغ لتفسير كتاب الله العزيز ؟! يقرؤه على هذا الرجل الذي يأتيه البعداء من أقاصي البلاد، وتتركه أنت على قرب ما بيننا من الجوار، يعني: الأستاذ الإمام (أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي رحمه الله)
فقلت: يا أبت إنما أتدرج بهذا إلى ذلك الذي تريد، وإذا لم أحكم الأدب بجد وتعب، لم أرم في غرض التفسير عن كثب، ثم لم أغب زيارته يوما من الأيام إلى أن حال بيننا قدر"
ثانيًا: طيب المعاشرة والمجالسة
وقارئ الأدب (الشعر خصوصًا) لا يشقى جليسه، والحديث معه دومًا ذو شجون، ويتصدر مجالس القوم ويقدموه فيها، ويحذي من طيب الكلام والقصيد ما يعطر به المجلس، وله من كل موقف شاهدٌ يتمثل به، وبيت شعر له من وراء نكتة يُحلي بها المجلس.
علاوة على هذا، فإني لست أرى مثل قارئ الشعر أفصح لسانًا وأحلى منطقًا، ولا يقربه أحد في حسن جلسته وجمال معاشرته.
مدخل الإشكال النفسي
لعلي أكثرت في الأيام الماضية الحديث عن الشعر مشاركة وشرحًا، وذكرت الكثير من فضائل الشعر ومن جمالياته. ولكن يبقى في النفس شيء منه، ربما لما في الآيات والأحاديث من ألفاظ عامة في كراهية الشعر، فيبقى في النفس حتى مع الإجماع فيه بجواز نظمه وحفظه وقراءته.
والحديث الذي أنا بصدد عرضه هو أشهر حديث يذكر عند الكلام عن كراهية الشعر، وسأبين الأقوال فيه ما أمكن.
والحديث هو ما رواه الشيخان واللفظ لمسلم:
عن أبي سعيد الخدري أنه قال: بينا نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعَرج إذ عَرَضَ شاعر ينشد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذوا الشيطان، أو أمسكوا الشيطان، لأن يمتلئ جوف رجل قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا».
فاختلف العلماء فيه على عدة أقوال:
القول الأول: أن الشعر كان في هجاء النبي ﷺ
حجة القول:
قال النووي في شرح صحيح مسلم:
«قال بعضهم: المراد بهذا الشعر شعرٌ هُجِيَ به النبي صلى الله عليه وسلم».
وأشهر من أخذ بهذا القول هي عائشة رضي الله عنها، وذكر ابن حجر في الفتح أن السهيلي نقل عنها:
«في غزوة ودّان عن جامع ابن وهب أنه روي فيه أن عائشة تأوّلت هذا الحديث على ما هُجِيَ به النبي ﷺ، وأنكرت على من حمله على العموم في جميع الشعر، قال السهيلي: فإن قلنا بذلك فليس في الحديث إلا عيب امتلاء الجوف منه، فلا يدخل في النهي رواية اليسير على سبيل الحكاية، ولا الاستشهاد به في اللغة».
ما يقوي هذا الوجه:
يقوي جانبهم بعض الزيادات التي لا تخلو من ضعف من أن النبي ﷺ قال: «خير له من أن يمتلئ شعرًا هُجِيتَ به».
وقال ابن حجر: «وفي سنده راوٍ لا يُعرَف»، وقال:
«وأخرجه الطحاوي، وابن عدي من رواية ابن الكلبي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مثل حديث الباب؛ قال: فقالت عائشة: لم يحفظ، إنما قال: من أن يمتلئ شعرًا هُجِيتُ به، وابن الكلبي واهي الحديث، وأبو صالح شيخه ما هو الذي يقال له السمان المتفق على تخريج حديثه في الصحيح عن أبي هريرة، بل هذا آخر ضعيف يقال له باذان، فلم تثبت هذه الزيادة».
اعتراض على القول الأول:
اعترض أبو عبيد على قول عائشة رضي الله عنها في أن المراد هو الشعر الذي هُجِيَ به النبي ﷺ، فقال:
«والذي عندي في هذا الحديث غير هذا القول؛ لأن الذي هُجِيَ به النبي ﷺ لو كان شطر بيت لكان كفرًا، فكأنه إذا حمل وجه الحديث على امتلاء القلب منه أنه قد رخّص في القليل منه».
رد على الاعتراض:
قال السهيلي ردًا على اعتراض أبي عبيد:
«عائشة أعلم منه، فإن الذي يروي ذلك على سبيل الحكاية لا يكفر، ولا فرق بينه وبين الكلام الذي ذمّوا به النبي ﷺ. وهذا هو الجواب عن صنيع ابن إسحاق في إيراده بعض أشعار الكفرة في هجو المسلمين، والله أعلم».
لكن أبا عبيد وغيره تمسكوا بوصف الإمتلاء، ولا يمكن تصور المسألة بأن رجلًا اعترض النبي صلى الله عليه وسلم ومنه معه وهو ينشد أشعار هجو النبي صلى الله عليه وسلم حكايةً وتدربًا، فيفهم من فعله أنه ممتلئ بالشعر الذي هجي به النبي صلى الله عليه وسلم !، فالاستشكال باقٍ.
القول الثاني: أن المراد كراهية الشعر مطلقًا
حجة القول:
قال النووي:
«واستدل بعض العلماء بهذا الحديث على كراهة الشعر مطلقًا قليله وكثيره وإن كان لا فحش فيه، وتعلّق بقوله صلى الله عليه وسلم: خذوا الشيطان».
اعتراض على القول الثاني وبطلانه:
قال النووي ناقلًا عن الجمهور:
«وقال العلماء كافة: هو مباح ما لم يكن فيه فحش ونحوه، قالوا: وهو كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، وهذا هو الصواب؛ فقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم الشعر واستنشده، وأمر به حسان في هجاء المشركين، وأنشده أصحابه بحضرته في الأسفار وغيرها، وأنشده الخلفاء وأئمة الصحابة وفضلاء السلف، ولم ينكره أحد منهم على إطلاقه، وإنما أنكروا المذموم منه وهو الفحش ونحوه».
ووضّح ذلك الإمام القرطبي في الجامع لأحكام القرآن:
«روى مسلم من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه قال: ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَوْمًا فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ قلت: نعم. قال: هيه, فأنشدته بيتًا. فقال: هيه، ثم أنشدته بيتًا. فقال: هيه، حتى أنشدته مائة بيت».
وقال أيضًا:
«... فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعه وأبو بكر ينشده، فهل للتقليد والاقتداء موضع أرفع من هذا؟ قال أبو عمر: ولا ينكر الحسن من الشعر أحد من أهل العلم ولا من أولي النهى، وليس أحد من كبار الصحابة وأهل العلم وموضع القدوة إلا وقد قال الشعر، أو تمثل به أو سمعه فرضيه ما كان حكمة أو مباحًا، ولم يكن فيه فحش ولا خَنَا ولا لمسلم أذى، فإذا كان كذلك فهو والمنثور من القول سواء»
وقال:
«سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول: أصدق كلمة -أو أشعر كلمة- قالتها العرب قول لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطلُ
أخرجه مسلم وزاد: وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم»
وروي عن ابن سيرين أنه أنشد شعرًا فقال له بعض جلسائه: مثلك ينشد الشعر يا أبا بكر؟! فقال:«ويلك يا لُكَعُ! وهل الشعر إلا كلام لا يخالف سائر الكلام إلا في القوافي، فحسنه حسن وقبيحه قبيح!»
وروى إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حسن الشعر كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام»؛ رواه إسماعيل عن عبد الله الشامي وحديثه عن أهل الشام صحيح فيما قال يحيى بن معين وغيره.
وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشعر بمنزلة الكلام؛ حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام».
فلا شك إذن ببطلان هذا القول (أي كراهيته مطلقًا).
القول الثالث (وهو الأرجح): أن يكون الشعر هو الغالب على الإنسان حتى يصده
حجة القول:
وهو ما بوّب به البخاري هذا الباب فقال: «باب ما يُكرَه أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن»، وكما هو معلوم أن فقه البخاري في تَبْوِيبِهِ.
ونقل الحافظ ابن حجر في الفتح قول أبي عبيد:
«وجهه عندي أن يمتلئ قلبه من الشعر حتى يغلب عليه فيشغله عن القرآن وعن ذكر الله فيكون الغالب عليه، فأما إذا كان القرآن والعلم الغالبَين عليه فليس جوفه ممتلئًا من الشعر».
وقال أيضًا:
«ويؤيد تأويل أبي عبيد ما أخرجه البغوي في معجم الصحابة والحسن بن سفيان في مسنده والطبراني في الأوسط من حديث مالك بن عمير السلمي أنه شهد مع رسول الله ﷺ الفتح وغيرها وكان شاعرًا، فقال: يا رسول الله، أفتني في الشعر، فذكر الحديث وزاد: قلت: يا رسول الله، امسح على رأسي، قال: فوضع يده على رأسي فما قلت بيت شعر بعدُ. وفي رواية الحسن بن سفيان بعد قوله: على رأسي ثم أمرّها على كبدي وبطني، وزاد البغوي في روايته: فإن رابك منه شيء فاشبب بامرأتك وامدح راحلتك. فلو كان المراد الامتلاء من الشعر لما أذن له في شيء منه، بل دلت الزيادة الأخيرة على الإذن في المباح منه». (وهو ما يصلح أن يكون ردًا على القول الثاني).
وقال الإمام النووي:
«قالوا: بل الصواب أن المراد أن يكون الشعر غالبًا عليه مستوليًا عليه بحيث يشغله عن القرآن وغيره من العلوم الشرعية وذكر الله تعالى، وهذا مذموم من أي شعر كان، فأما إذا كان القرآن والحديث وغيرهما من العلوم الشرعية هو الغالب عليه فلا يضر حفظ اليسير من الشعر مع هذا؛ لأن جوفه ليس ممتلئًا شعرًا، والله أعلم».
وقال القرطبي:
«أحسن ما قيل في تأويله: إنه الذي قد غلب عليه الشعر، وامتلأ صدره منه دون علم سواه ولا شيء من الذكر ممن يخوض به في الباطل، وَيسلك به مسالك لا تُحمَد له، كالمكثر من اللغط والهذر والغيبة وقبيح القول. ومن كان الغالب عليه الشعر لزمته هذه الأوصاف المذمومة الدنيّة، لحكم العادة الأدبية. وهذا المعنى هو الذي أشار إليه البخاري في صحيحه لما بوّب على هذا الحديث: باب ما يُكرَه أن يكون الغالب على الإنسان الشعر».
اعتراض على القول الثالث: مسألة «خذوا الشيطان»
على أن مجموع الأدلة واللغة يقويان القول الثالث، إلا أن هناك مسألة ما زالت تلقي بظلالها على فكرة أن المراد أن يكون الشعر غالبًا على الإنسان هو المذموم، وهي مسألة الزيادة الظرفية للخبر في صحيح مسلم:
«بينما نحن نسير مع رسول الله ﷺ بالعرج إذ عرض لنا شاعر ينشد فقال: أمسكوا الشيطان».
فأبو سعيد الخدري رضي الله عنه يصف أنه بينما هم سائرون اعترضهم رجل لم يُنقَل لنا وصفه أو ما كان ينشد بالضبط، ثم قال النبي ﷺ للصحابة أن يأخذوا هذا الرجل المعترض.
موطن الإشكال:
هو كيف عُرِف أن هذا الرجل مكثر من الشعر بمجرد هذا الاعتراض؟ فيُفسَّر الحديث على أن المراد هو أن لا يكون الغالب على الإنسان رواية الشعر فيصده عن القرآن والسنة والعمل الصالح.
وهذا الإشكال هو ما حمل البعض على الأخذ بأن المراد هو كراهية الشعر مطلقًا؛ لجهالة حال الرجل ولعموم قوله ﷺ: «خير له من أن يمتلئ شعرًا».
الرد على الإشكال:
لقد قال الإمام النووي في هذا:
«وأما تسمية هذا الرجل الذي سمعه ينشد شيطانًا، فلعله كان كافرًا، أو كان الشعر هو الغالب عليه، أو كان شعره هذا من المذموم. وبالجملة، فتسميته شيطانًا إنما هو في قضية عين تتطرق إليها الاحتمالات المذكورة وغيرها ولا عموم لها، فلا يُحتَجّ بها، والله أعلم».
تنبيه جليل من الإمام القرطبي
ذكر القرطبي تنبيهًا لهذه الشدة في الزجر عن الإكثار من الشعر فقال:
«مناسبة هذه المبالغة في ذم الشعر أن الذين خُوطِبوا بذلك كانوا في غاية الإقبال عليه والاشتغال به، فزجرهم عنه ليُقبِلوا على القرآن وعلى ذكر الله تعالى وعبادته، فمن أخذ من ذلك ما أُمِر به لم يضرّه ما بقي عنده مما سوى ذلك، والله أعلم».
هذا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد




مقال رائع الله يبارك فيك