مقدمتين لمن أراد ارتياد مجالس القوم
هذه مقدمتان أضعها بين يديك فيما يتعلق في حياتك الاجتماعية، فلا بد أن ترعي سمعك إياها وتفهمها لتحظى بتجربة اجتماعية أفضل. وهذه المقدمتين، هي:
المقدمة الأولى:
أن كل إنسان حظ نفسه عنده عالية، فكل إنسان يحب نفسه ويراها الأكمل والأفضل والأجمل والأحسن والأكرم، وما إلى ذلك من الصفات على وزن أفعل في الصفات الحسنة،وهو يحب أن يكون الأفضل ويحب نفسه ويَجِل من قدرها، ويعلي من شأنها.
وكل إنسان على هذه الطريقة، إلا انه قد يكون الإنسان واقعي جدا مع نفسه، يقتنع أنه ليس كامل الأوصاف، وهذا هو الصحيح طبعا والإنسان لا بد أن يكون متواضع ويهذب نفسه، ولكن في النهاية هو مجبول على حب نفسه، وعلى أن تنال التقدير والاحترام الذي هو يراها تستحقه.
فلهذا لا بد أن تفهم هذه المقدمة وأن تستوعبه.
المقدمة الثانية هي:
أن مجالس الرجال وأنديتهم لا بد أن يكون فيها نوع من سوء القول وفحش القول والحَش، والذب -كما نسميه نحن في لغتنا العامية الدارجة- فالإنسان في هذه المجالس يُناقش في كثيرًا من الأمور وتُذكر أمور جمة من المسائل، وأحيانا للتسلية وتمشية الوقت ومحاولة ملء وقت الفراغ: يكون هنالك نوع من المداعبة والممازحة التي ولا بد أن تنتهي إلى كلام سيء أو مذمة تصيب نفس الإنسان، فالإنسان هو في هذه المجالس كساحة حرب، ورصاصة طائشة من شخص ما قد تصيبه.
والمذمة هذه قد تكون بقصد، أو بدون قصد، وقد تكون بحسن نية، أو سوء نية.
كيف نجمع الآن بين المقدمتين؟
لا بد أن تعلم عزيزي القارئ أن الإنسان إلا وقد يصيبه حزن إذا أحدٌ ذمّه أو أصاب صورته الكاملة في نفسه.
ولكن لا بد عليك أن تستوعب أن جلوسك في هذه المجالس ومخالطتك للناس أنه سيصيبك من مزح ونوع من هذا الحش ولابد، فإن كانت نفسك عزيزة عليك جدا بحيث أنك لا تستطيع أبدا أن تتحمل أن يتم النيل منها والتقليل منها، فلا بد عليك أن تعتزل مجالسنا وأن تترك مجالس الرجال وأن تربئ بنفسك عنهم وتقعد أمام نفسك فتمدحها وتعلي من شأنها أبد الدهر، ولن يصيبك أحد أو يذمك.
ولكن إذا جلست في هذه المجالس وقعدت فيها وأردت أن تخالط الناس، فلا بد أن توقع على عقد ضمني بأنك سوف تتعرض لكلام قد يسيئك، وقد لا يعجبك، وهذا هو الحال.
ولكن إذا أردت إلا وأن تقعد في هذه المجالس ثم بعد ذلك كلما قال أحد لك أمرا رأيته إساءة إليك ومذمة عليك أخذت تغضب وتحزن وترعد وتزبد وتتباكى أمام الناس؛ إذا أنت لم تعتزلهم هم سيعتزلونك، ويتركون مخالطتك، ويبعدوك عن أنديتهم وجمعاتهم وجلساتهم وطلعاتهم وخرجاتهم.
فهذا ينبغي أن تأخذه طي الحسبان، وأصبح نوع من الميانه والتقريب بين النفوس أن يكون كل إنسان عار بنفسه أمام الآخرين فهو عارٍ بإيجابياته وسلبياته، وهذا نوع من التواضع؛ أن تجلس بين الناس وتتقبل منهم المزاح كما هم مرغمين أن يتقبلوا منك مزاحك، وهو نوع من المودة التي تقوي أواصر مجتمع وتربطه ببعضها. أنت مزحت مع هذا بشأن طوله، ثم أخذ شخص مزح معك بشأن وزنك، وكلاكما في عيني الآخر إنسان رائع، وإنما هذا من الأخذ والعطاء.
ولبّ الموضوع أنه لا أحد كامل والكل فيه نقص إما في خلقته أو في شكله أو في صفاته.
فهذه هي المقدمتين، والجمع بينها، والله تعالى أعلم



