"ومن خيرٌ من أبي سلمة؟"
لمحات باهرة من أسمى العلاقات الزوجية بين أبي سلمة وأم سلمة رضي الله عنهما
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يحدث أحيانًا وأنا أقرأ أو أستمع إلى محاضرةٍ معينة أن تمرّ عليّ قصة جميلة، فأقول: "هذه القصة لا بد أن تُسجَّل وتُحفَظ." فأبحث في مصادرها، ثم يحدث كثيرًا أنني عندما أعود إلى المصدر أجد أنني وصفتها من قبل بأنها قصة جميلة ومهمة
.
وهذا ما حصل لي مع هذه القصة التي سأنقلها إليكم…
وقد ذكرت لكم في قصة "الثلاثة الذين خلفوا" أن لدي تتبع وولع خاص بالقصص المتعلقة بالسيرة، والتي يكون أبطالها ورواتها غيرُ النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو موطن القطب من الرحى في السيرة، وهو نواتها ومركزها، ولكن ظهوره ودعوته صلوات ربي وسلامه عليه أثرت فيمن حوله، فيروون ببيان بديع، وعاطفة جياشة قصصهم المهيضة للدمع في كثير من الأحايين، كرواية كعب بن مالك لقصة الثلاثة الذين خلفوا، ورواية عائشة للقصة المبكية التي ألمت بها في حادثة الإفك، وغيرها من القصص التي رووها بشر نرتبط بهم لأنه يصيبنا ما يصيبهم من الهم والغم.
قصة الثلاثة الذين خلفوا
وهي القصة الواردة في قوله تعالى { وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِینَ خُلِّفُوا۟ حَتَّىٰۤ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَیۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَیۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوۤا۟ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّاۤ إِلَیۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَیۡهِمۡ لِیَتُوبُوۤا۟ۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِیمُ (١١٨) یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّق…
ومن ذلك؛ مجموعة من الأحداث التي وقعت لأبي سلمة بن عبد الأسد رضي الله عنه وزوجته أم سلمة رضي الله عنها.
أبو سلمة وأم سلمة كلاهما من قبيلة واحدة، فهم قرشيان من بني مخزوم؛ فأبو سلمة هو من بني عبد الأسد، وأم سلمة هي من بني المغيرة، فهم من نفس القبيلة ولكن أفخاذهم مختلفة. وعلاقتهما ببعضهما يضرب بها المثل، ووردت فيها قصص جميلة ومعبرة، يحسن للإنسان أن يقرأها في هذا الزمن كمثال على العلاقة الزوجية الطيبة؛وبينهما قصة زوجية فريدة تضرب بها الأمثال، وفي سيرتهما من المواقف جميلة والمعبرة يحسن بالإنسان أن يتأملها ويعتبر به، سيما في هذا الزمن، التي سُعّرت به حرب الجنسين، وطوت كثيرًا من القصص الجميلة من السلف بهذا الصدد، فإعادةُ إحياءها وذكرها صار من باب الفرض، ليعلم المسلم ويرى أن لنا سلفًا ومثلًا في العلاقات الزوجية السامية الناضرة، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة.
ولهما سوابق جميلة وإيجابية، فقد كانا من أوائل الناس الذين هاجروا الهجرتين: الهجرة إلى الحبشة، والهجرة إلى المدينة.
الهجرة إلى الحبشة وسجود قريش
عندما اشتد أذى قريش للمسلمين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من استطاع منهم أن يهاجر إلى الحبشة، فإن فيها ملكاً مشهوراً بعدله وأنه لا يظلم أحداً عنده، وهو أصحمة النجاشي ملك دولة أكسيوم، فهاجرا، وكان أبو سلمة وأم سلمة رضي الله عنهما من أوائل الناس الذين هاجروا في الهجرة الأولى.
وكما تعلمون أيضاً، فإنه في أحد الأيام في مكة، حصل أن أكابر قريش تجمعوا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذوا يستمعون القرآن، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة النجم حتى وصل إلى آخرها:
{فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ * هَٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَىٰ * أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ * أَفَمِنْ هَٰذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا}
وهذا موضع السجود؛ فسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وما ملكت قريش أنفسهم فسجدوا تبعاً للنبي صلى الله عليه وسلم لعظم هذه الآيات وعظم وقعها، وما استطاعوا أبداً أن يمنعوا أنفسهم من أن يستجيبوا لبلاغة القرآن الكريم وجمال وقع هذه الآيات، فسجدوا مرغمين.
فتسامع الناس بهذا السجود وانتشر بينهم حتى وصل إلى المهاجرين في الحبشة، فكثير منهم ظن أو شعر أن الإسلام قد دخل قريشاً، وأن قريشاً قد أسلمت، وبالتالي لم تعد هناك حاجة للبقاء في الحبشة. وعندما أتوا إلى مكة المكرمة، وجدوا أن الأمور لم تتغير؛ فمن كان فيهم لديه جوار استجار به، وأبو سلمة رضي الله عنه كان قد استجار بأبي طالب، وأبو طالب يصبح خاله، فأبو سلمة أمه تكون عمة النبي صلى الله عليه وسلم وهي أخت أبي طالب ، فله قرابة بالنبي صلى الله عليه وسلم، فدخل في جوار أبي طالب وبقي هذه الفترة.
وكما تعلمون، فإن قريشاً بعد هذه السمعة أو الدعاية السلبية التي حصلوا عليها، كثّروا في الأذى والأذية
مأساة الهجرة إلى المدينة وتفصم شمل العائلة
بعد ذلك، أتى الإذن من الله سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة، وهذه أيضاً سابقة أخرى؛ فبيت أبي سلمة رضي الله عنه كان من أوائل الناس الذين هاجروا إلى المدينة، ويذكر أن أم سلمة رضي الله عنها كانت هي أول ظعينة أو أول امرأة قدمت إلى المدينة مهاجرة، ولهم في ذلك قصة جميلة.
فعندما استعد أبو سلمة وأخذ يجهز بعيره وناقته للهجرة إلى المدينة المنورة، كان قد احتمل زوجته أم سلمة ووضعها على البعير، ومعها ابنها الحديث الولادة وهو سلمة رضي الله عنه. فلما استعدوا للرحيل، علم بنو المغيرة وبنو عبد الأسد بهجرتهم فأدركوهم؛ ولمنع تكرار أمر هجرتهم أثخنوا في المنع، فنع بنو المغيرة (الذين هم أهل أم سلمة وأولياؤها) ابنتهم، واحتملوها وأسروها عندهم. واستطاع أبو سلمة أن يفلت من الأسر وأن يهاجر إلى المدينة ولم يُدرك.
وعندما علم بنو عبد الأسد بهذه الحادثة، أتوا وأخذوا ابنهم الذي هو من نسبهم (ابن أبي سلمة)، فأخذوه وأسروه عندهم؛ فتفرقت هذه العائلة التي كانت تمني نفسها بأن تكون أول عائلة تهاجر سوياً إلى المدينة المنورة، فبينما كانوا يجهزون ناقتهم وهم على وشك الاستعداد، وكان هو قد حملها ومستعدين للهجرة، لم يكن لهم ما أرادوا وتفرق شملهم؛
فأصبحت أم سلمة مع قبيلتها بني المغيرة
وأصبح سلمة مع قبيلة بني عبد الأسد
وأبو سلمة في المدينة المنورة.
وهذا حال صعب جداً ألمّ بأم سلمة رضي الله عنها؛ فهي قد فُرّق بينها وبين ابنها الرضيع، وزوجها الذي خاضا غمار الهجرة إلى الحبشة سوياً، فهم الآن متفرقون، فليس لها سلوى تسليها. وكانت تقول في رواية هذه القصة التي نقلها ابن إسحاق في السيرة: إنها ألمت وحزنت لهذا حزناً شديداً، وقد ظهر هذا في أنها كانت في كل يوم تذهب إلى الأبطح (وهو أحد أودية مكة) فتبكي هنالك، وتُشجّي البكاء إلى آخر الليل، فإذا أتى وقت النوم عادت ورجعت. كانت تفعل ذلك يومياً عامًا كاملًا!.
حتى رآها أحد أبناء عمومتها من بني المغيرة، فأشفق على حالها، وأخبر أصحاب الرأي من القبيلة فقال: "ألا تتركون هذه المرأة تهاجر؟ ألا تشفقون على حالها؟ هل ترضون بهذه الحالة بأن تبقى كل هذه الفترة الطويلة بلا ابنها ولا زوجها؟". فكأنما أحسوا بأن هذا الموضوع لا يليق ولا يقبل أبداً، فأشفقوا عليها، وأعادوا لها رحالها، وأعادوا لها ابنها وتركوها.
النخوة العربية وبطولة عثمان بن طلحة
هي الآن مع رحالها وابنها، وتنوي الذهاب إلى المدينة لوحدهما. ولا شك في أن هذا أمر صعب؛ فإذا تكلمنا عن هذا الزمن الذي نعيش فيه، والذي فيه الطرق المعبدة والسيارات والإنارة والطرق المخدومة والمحطات والـ GPS وغيره، فإنه يصعب على أم وابنها أن يسافرا لوحدهما، فكيف بذلك الزمن في الطرق الموحشة والموعرة، وامرأة تنوي السفر إلى المدينة لوحدها؟ كان هذا أمراً صعباً، وهي تعلم صعوبة هذا الأمر، فكانت تنوي أن يساعدها أحدهم في الطريق.
أخذت رحالها، وكأنها رأت قافلة تأتي وفيها مجموعة من شباب قريش عند التنعيم (والتنعيم منطقة يعرفها أهل مكة)، فذهبت إلى تلك المنطقة وهي تخاف: إما أن يكون الشباب ضدها فيعيدونها إلى قبيلتها، أو يكون فيهم من أصحاب النخوة من يعينها على ذلك؛ ولله الحمد كان الخيار الثاني.
فعندما سألت عن طريق المدينة المنورة، كانت قد سألت رجلاً من بني عبد الدار، وهو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة رضي الله عنه (ولم يكن قد أسلم وقته، وأسلم بعد فتح خيبر). فعندما راجعها وسألها: "إلى أين تنوين الذهاب؟"، وعلم أنها ستذهب إلى المدينة، لم تكن شيمته ولا نخوته العربية تسمح له بأن يشير لها بالطريق ويتركها، فأخذ بخطام ناقتها رضي الله عنه وأخذها إلى المدينة.
هذه من البطولات المسطرة ومزايا الرجل العربي التي أحياناً تُنسى أن تذكر وقت الكلام عن الجاهلية وعن العرب وعن البداوة؛ فكثير من الناس يذكرون مثلاً حرب البسوس ولا يذكرون هذه البطولات والنخوة العربية الأصيلة. عثمان بن طلحة ليس بينه وبين أم سلمة أي قرابة قوية، فهو من بني عبد الدار وهي من بني المغيرة من بني مخزوم، ولكن بسالته العربية هي التي حملته على أن يأخذ بخطام ناقتها وأن يوصلها إلى المدينة.
وقد ذكرت هي ذلك في كلامها فقالت:
"فوالله ما صحبت رجلاً من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه؛ كان إذا بلغ المنزل أناخ بي (أنزل الناقة) ثم استأخر عني، حتى إذا نزلتُ استأخر ببعيري فحط عنه ثم قيده في الشجرة ثم تناحى بعيداً".
فكان طوال السفر وهو يستحضر المروءة وحسن الفعل، ويكرم هذه المرأة ويحترمها ويقدرها، كل ذلك من باب الشهامة والكرامة.
ومن باب التقريب أيضاً لتتخيلوا المسافة في هذا الزمن مع وجود السيارات: إذا افترضنا وتكلمنا من جدة إلى المدينة تقريباً تأخذ خمس ساعات إلا ربع أو نحو ذلك، وإذا قلنا من مكة للمدينة بالسيارة فما بالك على الأقدام مع طبيعة الطرق؟ فكان كلما حان وقت المساء تأخر عنها وجعل بينه وبينها مسافة يحافظ فيها على خصوصيتها، حتى وصل بها إلى المنطقة التي كان يسكن فيها أبو سلمة (في قباء)، فاجتمعت هي وأبو سلمة رضي الله عنهم أجمعين في المدينة بعد عام من النحيب والبكاء، فكانت هي أول امرأة مهاجرة.
وفاة أبي سلمة وعوض الله لأم سلمة
أخيراً، فإن أبا سلمة قد أُصيب في غزوة أحد، وكانت جراحه قد أدنته من الوفاة. فعندما دنى منه الأجل؛ أتته أم سلمة رضي الله عنها وأخبرته بأن يتعاهدا على أنه إذا توفي أحدهما قبل الآخر فإنه لا يتزوج بعده؛ وذلك من باب توطيد العلاقة، وهو ما يدل على طبيعة العلاقة القوية التي كانت بينهما رضي الله عنهما؛ فهي لا تريد أن تتزوج بعده، وهو رضي الله عنه كان يحبها ويقدرها.
فلما رأى منها هذا العرض (أن لا يتزوج الآخر بعده)، قال أبو سلمة: "أتطيعينني؟"، قالت: "نعم"، قال: "إذا متُّ فتزوجي بعدي"، ودعا لها فقال: "اللهم ارزق أم سلمة بعدي رجلاً خيراً مني، لا يحزنها ولا يؤذيها". فاستغربت وقالت كلمة جميلة:
"ومن خير من أبي سلمة؟!".
فما ذكرناه من القصص السابقة يظهر قوة علاقتهما الفريدة التي يستفيد منها الإنسان وتستحق أن تذكر وتروى. وقد رُوي حديث في البخاري ومسلم وهو حديث جميل، قالت فيه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها، إلا أخلف الله له خيراً منها".
قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: "أي المسلمين خير من أبي سلمة؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم"، ثم ذكرت أنها قالت هذا الذكر، فأخلف الله لها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أرسل حاطب بن أبي بلتعة إليها يخطبها للنبي صلى الله عليه وسلم، فكان لها ما أرادت، وكان لأبي سلمة ما أراد؛ فتزوجت خيراً ممن وطئت قدمه الأرض، وخير البشرية كلهم، وسيد ولد آدم، النبي صلى الله عليه وسلم.
خاتمة وخلاصات وعبر
هذه مجموعة قصص عن بيت أبي سلمة وأم سلمة، والعبر الجميلة التي فيها، مثل:
العلاقة الزوجية الوطيدة:والمشاعر التي كانت بينهما والتي تستحق أن تذكر وتستنبط منها العبر في الحديث عن البيت المسلم.
وحسبُ أبو سلمة أن لا يكون خيرًا منه إلا خير الورى أجمعين، وما ذلك إلا أنه كان نعم الزوج والسند والداعم، فاللهم أبلغنا من زوجاتنا كما بلغ أبو سلمة من أم سلمة.
نخوة العرب وشهامتهم: والبيئة البدوية الصحراوية التي جعلتهم أنقياء، وتبرز فيهم هذه الروح البطولية التي ذكرناها في فعل عثمان بن طلحة رضي الله عنه.
هذا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.
أصل هذه المادة مقطع فيديو نشرته في قناتي بالتيليقرام





أعجبني المقال للغاية!!!
مبهر جدًا فعل عثمان بن طلحة رضي الله عنه والمقاربة الي طرحتها، كيف شهامته حملته أن يسافر معها أيام وحافظ على خصوصيتها وهو حتى لسه ما أسلم! وهي رضوان الله عنها كيف ضلت تبكي عامًا كاملًا على فراق ولدها وزوجها تركني أتساءل كيف كانت علاقتهم طيبة! ):
رضي الله عنهم جميعًا
جميل جميل جداً
رضي الله عنهم وارضاهم ما اجمل ارواحهم
اللهم صل وسلم على نبينا محمد 🤍