مراجعة لرواية الأبله
نشرتها أول مرة في صيف ٢٠١٩
المرء في الحقيقة ليس معتادًا على القراءة لدوستويفسكي في مجال الغنى والطبقة الأرستقراطية الروسية. الحقيقة أني معتاد على وصفه الدقيق، لحدّ النفور، للفقراء والتعساء والبؤساء، ووصفه لشوارع موسكو وبطرسبورغ.
ولكنك في هذه الرواية لا تكاد تسمع غير الجنرال فلان، والأمير فلان (والبطل "الأبله" هو فعلًا أمير)، والأميرة فلانة، والحدائق، والبيوت، والفلل، والقصور، والوارثين أموالًا طائلة.
وهو بلا شك أمر مختلف بالنسبة للقارئ الذي اعتاد الوصف النافر لواقع الفقر المدقع، ولكن في المجمل فإن القصة والحبكة هي حبكة من طراز دوستويفسكي الأصيل: بالنقاشات المحمومة، والمناظرات المتقدة، والأبعاد العميقة للآراء المقدَّمة من الشخصيات.
يقول جوردان بيترسون، بروفيسور كندي متخصص في علم النفس:
"أغلب الروائيين يتعمدون في رواياتهم، عندما يشرعون في وضع نقاش أو مناظرة، إلى حيلة رجل القش لصاحب الرأي المخالف؛ فيجعلونه يظهر بمظهر ضعيف ومخجل من أجل إثبات أفكارهم، فيمارسون قوة وهمية على صورة رجل القش هذا ليبرزوا قوة أفكارهم. وهذا ما لا تجده في روايات دوستويفسكي؛ فهو يعمد إلى وضع نقاش محتد ومحموم وقوي، ويدعم الشخصية التي يريد من خلالها عرض الرأي المخالف بالحجج والبراهين والقول الرصين".
وهذا أهم ما يميز روايات دوستويفسكي: النقاشات والمناظرات، والمنتدى الفكري الذي تقدمه شخصياته بإيعاز منه.
بطل الرواية هو الأمير ليف نيكولايفيتش ميشكين: مريض بالصرع، متأتئ، غريب الأطوار، وفوق هذا كله إنسان فطري، فَوُصِف بالبلاهة.
وإن القارئ عندما يقرأ عن طبيعة الأمير ميشكين قد يتبادر إلى ذهنه أنه سيكون ألعوبة بين يدي الشخصيات من حوله، مما يجعل التركيز منصبًا عليهم لا عليه؛ لكنه فاجأنا وفاجأ الجميع بأسلوبه اللبق في الحديث، واستيعابه للإنسان "الطبيعي" وما هيأته.
ولأنه كائن فطري حدّ البلاهة، فهو أسعد شخصيات الرواية، وهو ما نقل الشخصيات من وصمه بالبلاهة بسبب الشكل إلى وصفه بالبلاهة بسبب التصرفات. ولم أرَ شخصية يُقال إن مشكلتها طيبتها الزائدة أكثر من هذه.
بردوفسكي أتاه بتجييش من عدد من الشخصيات الغليظة الممقوتة في الرواية، وهو الذي لا يبعد عن وضع الأمير بشيء، غير أنه وقع بين يدي سكارى يحرضونه. وانتهى المطاف بالأمير، المجني عليه في ذلك الموقف، إلى الاعتذار وطلب الغفران، وهو ما استفز السيدة ليزافيتا بروكوفييفنا إيبانشين.
الرواية تحدثت عن الموت بأبعاد مختلفة؛ فدوستويفسكي يروي، بلسان الأمير، التجربة المريعة والمريرة لعقوبة الإعدام بالمقصلة، وقاربت الرواية بينها وبين إيبوليت تيرينتيف، الذي دفعته تأكيدات من حوله بقرب أجله إلى الإدلاء ببعض اعترافاته وتأملاته وإيضاحاته.
لا يمكن أن نكتب مراجعة للرواية دون أن نسلط المجهر على الرحلة العاطفية للأمير اللطيف. والحقيقة أن يفغيني بافلوفيتش رادومسكي قد كشف طبيعة علاقات الأمير العاطفية بشكل جميل ورصين، وهو ما لم ينكره الأمير. حيث وصف علاقته بـ ناستاسيا فيليبوڤنا بأنها أشبه بحنين الوطن، ثم دخوله المفاجئ في خضم الأحداث، وتحول ثروته من كيس يحمل فيه ملابسه إلى ثروة معتبرة، ومع طبيعته الصادقة الفطرية، وقع قلبه في حب أجمل ما رأته عيناه ذلك اليوم.
ولأنه شخصية سعيدة حدّ الاستغراب، فقد جمع شتات نفسه عندما ظفر بناستاسيا ثم ولّت عنه، وسرعان ما وجد في أجلايا إيبانشينا قرة لعينه وشغفًا لقلبه.
واستطاع الأمير، بثروته وطيبته الصادقة، أن يتفوق على غافريلا أرداليونوفيتش إيفولغين (جانيا) وغيره من المنافسين على حب أجلايا وكذلك ناستاسيا. ولكن آن لطيبته أن توقعه في شرك الحياة القاسية؛ فها هو ذا يقود نفسه بنفسه إلى بيت بارفيون روجوجين، وبنفسه عاد إلى خرفه، وعاد بنفسه إلى حيث بدأ: عاد لكونه أبله... فقط أبله.
الرواية ناقشت الطبقة الأرستقراطية وما دونها بقليل، والحب، والموت، والمرض المميت، والعلاقات الاجتماعية وما يسودها من نفاق ومجاملة، والعلاقات الأسرية، وغيرها الكثير من الموضوعات.
في المجمل، الرواية ممتعة وشيقة، وفي طريقك لإنهائها ستتحصل على الكثير من الزاد الدستويفسكي الخصب. وهي رواية محل خلاف بين الأدباء؛ فمنهم من يراها أقل روايات الماستر بيس لدوستويفسكي، ومنهم من يراها خروجًا جميلًا وحيويًا عن الكآبة المعتادة. وإن كانت هذه الرواية لا تخلو من الكآبة نفسها، لكن ليس بالطبع لبطلنا الأمير، الذي هو في بلاهته يتنعم.



