من صور إساءة استعمال الدوبامين
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة وإلا فإني لا إخالك ناجيا
يفهم الناس أن الدوبامين هو هرمون يرتبط بالسعادة، وعلى التحقيق فهو هرمون مرتبط بالإنجاز والمكافآة والتوقعات، استودعه الله فينا لنتمكن من الضرب في الأرض والسعي في جناباتها وأطرافها.
فهذا العالم موحش وغريب ويتطلب مجازفة للسعي فيه، ومن هنا يأتي دور الدوبامين في التحضيض والدفع بالإنسان للتجربة والاستكشاف، فخروجك لطلب الرزق (سواء في صيد كائن سريع وخفيف كالغزلان، أو في زرع ثمار ستحصد في آوانها) يتطلب جهدًا مبذولًا وعملًا دؤوبًا لأمور تحققها خارج عن إرادة الإنسان، فلا صيد الغزال مضمون، ولا يعلم الإنسان أحوال القُطُر والمطر وما قد يعتري الأرض من بوار وفساد.
ولكن العقل يعلم أن هذا الجهد المبذول ثمرته في عشاء هانئ ولقمة مريئة، فيضاعف المجهود أملًا في حصولها.
فإذا عُلِم أن الدوبامين هو هرمون المكافأة والإنجاز، شرع الإنسان في وضعه موضعه الصحيح، وتحرى الأماكن التي يساء فيها استعماله، ومن صور إساءة الاستعمال:
القِمار:
القمار تجارةً وصناعة؛ من أكثر الأمور التي تستحق الالتفات والمناقشة والدراسة، فمقدار الظواهر السلوكية والنفسية التي تدخل في صناعة الكازينوهات قد لا تجدها في مجال آخر.
والدوبامين وإفرازه من أساسيات هذا المجال، فالذي يدور بعقل المقامر هو مقدار ما سيربح من مجازفته هذه، ويظل يتفكر مقدار المكافأة المالية من جراء هذه المجازفة، وإذا أمعن في التأمل غاب عقله وأدمن جرعات الدوبامين تلك التي تأتي وقت احتساب المكسوب والمفقود، ومدمن القِمار مدمن دوبامين بالأصح.
وتعلم دور القمار ما للإنسان من تمنع في البداية، ولهذا تستدعيه بطرق وحيل رخيصة، منها: بطائق مجانية(تعبر عن النقود لسهولة التداول) أو تضع أجهزة الـ Slot (وهي التي تمتلك ذراع يسحب ليعرض للمقامر ثلاث عجلات أو أكثر كل واحدة فيها عدة صور، وإذا اجتعمت صور متشابهة في العجلات نالَ المقامر بذلك جائزة مالية) في استقبال الفنادق وفي جنبات ردهاته، وهي أداة بسيطة والمشاركة فيها بمبلغ بسيط، وإذا وقع في شراكها ضيف الفندق وأحس بجرعات الدوبامين، ذهب إلى الألعاب الأشد فتكًا عليه وعلى ثروته.
وسائل التواصل الاجتماعي:
دوامة القبول والتقدير:
تفاعلك المستمر في وسائل التواصل الاجتماعي(لستُ بمنأى عن هذا الشيء والله المعين) سببه هو متابعتك لأرقام الإعجاب والتصويت والمشاهدة، وكذلك ردود الأفعال والتعليقات المادحة كلها تعمل عملا فاعلاً في تسمرك الطويل أمام الشاشة الصغيرة.
وربط هذا بالدوبامين يكون في أن الإنسان إذا ما نشر كتابة أو مقالًا أو صورةً؛ يفرز حينها الدوبامين مع تأملك وتوقعك للردود والمشاهدة والمشاركة والإعجاب. ولهذا بعد النشر تظل تتأكد من مدى التفاعل، ولا يهدأ لك بال حتى تراجع حال المنشور وكم أحرز في العالم الرقمي من نقاط.
ولا يقتصر الأمر على الردود المادحة، فالذامة كذلك تحقنك وتغضبك والغضب الناتج من الرد والمنشور المخزي يحفزك للرد، مما يعني بقاءك في الدوامة.
المقاطع القصيرة:
وأضف إلى قائمة جرعات الدوبامين الصغيرة تلك الجرعة التي تتلقاها من التجول والتصفح فبمجرد أن تجد المقطع القصير أو التغريدة القصيرة التي تغذيك بكم هائل من الدوبامين وفي برهة زمنية قصيرة حتى تجد نفسك تلهت محاولا إحياء هذا الشعور من جديد، ويُفصل حينها - دماغك عن أصابعك فتمسي كالحي الميت يداك تتحركان والدماغ في غيبوبة تامة.
ويرتبط هذا بالدوبامين في أن التصفح بشكله الحالي المصمم بالخوارزميات يزيد من موضوع الترقب والتطلع (هل المقطع القادم مضحك؟ أم جذاب بصريا؟ باهر ايقاعيا؟)، ويشابه فعل التصفح فعل المقامر في ألعاب أجهزة الSlot المذكورة أعلاه، فهو بتصفحه كمن يدفع قروش يسيرة (جهد بسيط) بأمل الوصول الى تشابه الثلاث عجلات (مقطع مغذي سمعيا أو بصريا أو مضحك).
ولأن التصفح يتم عشوائًيا بدون هدف تراكمي في المقاطع القصيرة (على عكس اليوتوب ذا المقاطع الطويلة، فمتصفحه -في الغالب- لديه هدف فلا يقع في حالة استهلاك الدوبامين) فإن الدوبامين يفرز بجرعات كبيرة في مدة قصيرة، دون عمل تراكمي، وعليه يبقى الإنسان في سعي محموم لهذه القفازات البسيطة المتكررة.
أثر هذا في الذاكرة:
"قرأتُ أن التمرير المستمر في وسائل التواصل يؤثّر في تكوين الذاكرة، إذ يُدرّب العقل على أن ينبذ ما طالعه للتوّ، كي ينتقل إلى سياق جديد، مرّة بعد مرّة ؛ وأرى في هذا القول بعض الحقّ؛ فإنّ المرء إذا قرأ كتابًا، لزمه أن يستحضر ما قرأه في الصفحات السالفة ليواصل الفهم والقراءة، أمّا عند تصفّح محتوى وسائل التواصل، فلا يلزم استحضار ما تقدّم منه، بل يتعلّم الناظر أن يخلع سياقًا ويلبس آخر بسرعة، والانتقال بين السياقات يكون حادًّا أحيانًا. وهذه مهارة قد تنفع في بعض المواضع، غير أنّها قد تكون مضّرة إن أورثت المرء نسيان ما مضى"عبد الله الوهيبي
والقراءة وكثير من الأمور الأخرى هي أفعال تتطلب نوعًا من التراكمية والبناء، كما أن الأفلام والمسلسلات وحتى مقاطع اليوتيوب الطويلة تمشي على نمط بنائي؛ فلا بد من توطئة ومقدمة ثم يلي ذلك الوسط وغالبًا ما يكون مرتكز المقطع أو بداية الصراع أو بُنية الموضوع الأساسية، والمرحلة الأولى والثانية يتطلبان صبرًا لأن فيهما يتكون الموضوع، وهذا ما يشقي المتأثر بالتصفح المستمر، لأن العملية الطويلة هذه لا تؤتي بثمار، ولا تعطي أي جرعة دوبامينية، فعندما يأتي للمرحلة الأخيرة حيث تسوى الخلافات، أو يصل الكاتب إلى الاستنتاجات النهائية، يكون الشخص متعفن الدماغ قد ضاق ذرعًا ، وانخرط في فعاليّة تغذي عقله قصير الاستيعاب.
ينبغى للإنسان أن يدرك نفسه، فليست القراءة ومشاهدته للإفلام هي المتأثِر الوحيد من الخلل في ذاكرته، فدراسته ووظيفته تتطلب منه في الغالب تركيزًا شديدًا، واستحضارًا ذهنيًّا عاليًا، وإذ هو لم يمنع نفسه من متع المقاطع القصيرة اللحظية، عُدِم رأيه، وضعُفَت حكمته، وهزُلَ تحليله.
بعد بيان طريقة عمل الدوبامين وموقعه من العادات السلبية، بقي أن نذكر أن محصلاته الإيجابية المتسمة بالديمومة، والتي تساهم في بقاء جودة حياة المرء في مستويات مرتفعة، ومن ذلك أي عمل يتطلب عملًا تراكميٍّا وجهدًا بنائيًّا، فالمعرفة التي يزينها لك الدوبامين عند القراءة طريقها طويل وعسر، ولكن المعرفة لذيذة وجميلة، والجسم المثالي المنشود، الطريق إليه محفوف بالألم والمشقة والإصابات، ولكن التغلب على ذلك يوميًا انتصار ذهني عظيم.
والدوبامين طويل الأثر ليس حصرًا في الأمور التراكمية، وقد يحصله الإنسان من فعل بسيط يُصّبح به الإنسان، وخذ هذا المثال الذي اختم به:
الاستحمام بالماء البارد من أنجع الطرق للدوبامين طويل الأمد، فالماء البارد إذا أصاب الجسم فجائية، انتفض لمواجهة هذا الخطر المحدق المباغت، فيقوم الجهاز العصبي برفع أهبة الاستعداد وإرسال إشارة لجميع الجسم للانتفاض، فيفرز هرمون الأدرنالين الذي يعيد للجسم نشاطه (وهو في ظني القاصر عين ما أصاب أيوب عليه السلام { ٱرۡكُضۡ بِرِجۡلِكَۖ هَـٰذَا مُغۡتَسَلُۢ بَارِدࣱ وَشَرَابࣱ })، ثم إذا انتهيت من الحمام البارد أُفرز الدوبامين لأنك في ظنه قد جاوزت خطرًا محدقًا بدون إصابات، وبذلك تكون قد بدأت يومك في إحساس بالانتصار والإنجاز، ولعلك تجد كثيرًا ممن أوسع الله لهم في الرزق يضعون حمامات الثلج (cold plunge) ويستخدمونها كل صباح في عادة مستمرة.
والله أعلم





