ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيّا
خبر عبد يغوث الحارثي وأبيات الشهيرة
نتكلم اليوم عن أبيات جميلة، يرثي الشاعر فيها نفسه، وهي أبيات مشهورة وسائرة بين الناس، وأوردها المفضل الضبي في مفضلياته.
ويوجد قصة خلف هذه الأبيات، تُروى وتُنشر. هذه الأبيات هي للشاعر عبد يغوث الحارثي من بني الحارث بن كعب، وهو من شعراء الجاهلية وفرسانها، وكان سيدًا في قومه. وقصة أبياته هذه أتت يوم الكُلاب، يوم حاربت فيه قبائلُ مذحج قبائلَ بني تميم.
والفكرة هي أن بني تميم كانوا قد خسروا معركة كبيرة ضد الفرس، فكانت فرصة أرادت قبائل مذحج أن تنتهزها، فاجتمعوا سويًا على عدد كبير وكان رئيس مذحج هو عبد يغوث، ورئيس همدان يقال له مسرح، ورئيس كندة هو البراء بن قيس بن الحارث. فأقبلوا إلى تميم، فبلغ ذلك سعد والرِباب
وهذه أسماء قبائل بني تميم، فبنو تميم هم مجموعة من القبائل يقول ذو الرمة:
يَعُدُّ الناسِبونَ إِلى تَميمٍ
بُيوتُ العِزِّ أَربَعَةً كِبارا
يَعُدّونَ الرِبابَ لَهُم وَعَمراً
وَسَعداً ثُمَّ حَنَظَلةَ الخيارا
المهم أن سعدا والرباب علموا بقدوم هذه القبائل إليهم، فاستعدوا وتجهزوا للقتال، وهذا هو مبتدأ يوم الكلاب.
فحصلت مقتلة كبيرة، وقُتل من الفريقين عدد كبير، وقُتل من بني تميم رجل يقال له النعمان بن جساس، قتله رجل من أهل اليمن. فظن أهل اليمن أن بني تميم سيهدهم قتل النعمان، ولكن هذا لم يزدهم إلا جرأة وقوة وحماسًا للقتال، فكانوا يقتلون ويأسرون حتى أُسر عبد يغوث الحارثي. أسره أحد شبابهم ذلك اليوم، وكان هذا الشاب من قبيلة بني سعد، فأتى بنو الرباب إلى بني سعد، فقالوا: قُتل فارسنا، ولم يُقتل لكم فارس مذكور. فدفعه الأهتم إليهم، فأخذه عصمة بن أبي التيمي، وانطلق به إلى منزله.
فقال عبد يغوث: يا بني تيم، اقتلوني قتلة كريم. فقال له عصمة: وما تلك القتلة؟ قال: اسقوني الخمر، ودعوني أنح على نفسي. فقال له عصمة: نعم. فسقاه الخمر، ثم قطع له عرقًا يقال له الأكحل، وتركه ينزف، ومضى عنه عصمة وترك معه ابنين له. فقالا له: جمعت أهل اليمن، لتصطلمنا، فكيف رأيت الله صنع بك؟ ثم بعد ذلك قال عبد يغوث الأبيات.
فقال عبد يغوث مرتجلًا، بعد أن زوق هذه الأبيات وضبطها في نفسه، فقال:
01. أَلا لا تَلوماني كَفى اللَومَ ما بِيا
وَما لَكُما في اللَومِ خَيرٌ وَلا لِيا
02. أَلَم تَعلَما أَنَّ المَلامَةَ نَفعُها
قَليل وَما لَومي أَخي مِن شمالِيا
03. فَيا راكِباً إِمّا عَرَضتَ فَبَلَّغَن
نَدامايَ مِن نَجرانَ أَن لا تَلاقِيا
04. أَبا كَرِبٍ وَالأَيهَمَينِ كِلَيهِما
وَقَيساً بِأَعلى حَضرَمَوتَ اليَمانِيا
05. جَزى اللَهُ قَومي بِالكُلابِ مَلامَةً
صَريحَهُم وَالآخَرينَ المَوالِيا
06. وَلَو شِئتُ نَجَّتني مِنَ الخَيلِ نَهدَةٌ
تَرى خَلفَها الحُوَّ الجِيادَ تَوالِيا
07. وَلَكِنّني أَحمي ذِمارَ أَبيكُم
وَكانَ الرِماحُ يَختَطِفنَ المُحامِيا
08. وَتَضحَكُ مِنّي شَيخَةٌ عَبشَمِيَّةٌ
كَأَن لَم تَرى قَبلي أَسيراً يَمانِيا
09. وَقَد عَلِمَت عَرسي مُلَيكَةُ أَنَّني
أَنا اللَيثُ مَعدُوّاً عَلَيَّ وَعادِيا
10. أَقولُ وَقَد شَدّوا لِساني بِنِسعَةٍ
أَمَعشَرَ تَيمٍ أَطلِقوا عَن لِسانِيا
11. أَمَعشَرَ تَيمٍ قَد مَلَكتُم فَأَسجِحوا
فَإِنَّ أَخاكُم لَم يَكُن مِن بَوائِيا
12. فَإِن تَقتُلوني تَقتُلوا بِيَ سَيِّداً
وَإِن تُطلِقوني تَحرُبوني بِمالِيا
13. وَكُنتُ إِذا ما الخَيلُ شَمَّصَها القَنا
لبيق بِتَصريفِ القَناة بنَانِيا
14. فيا عاصِ فكَّ القَيد عنّي فإنني
صَبور على مرِّ الحوادثِ ناكِيا
15. أَحَقّاً عِبادَ اللَهِ أَن لَستُ سامِعاً
نَشيدَ الرُعاءِ المُعزِبينَ المَتالِيا
16. وَقَد كُنتُ نَحّارَ الجَزورِ وَمُعمِلَ ال
مطيَّ وأمضي حيث لاحي ماضيا
17. وَأَنحَرُ لِلشَربِ الكِرامِ مِطِيَّتي
وَأَصدَعُ بَينَ القَينَتَينِ رِدائِيا
18. وَعادِيَةٍ سَومَ الجَرادِ وَزَعتُها
بِكَفّي وَقَد أَنحَوا إِلَيَّ العَوالِيا
19. كَأَنِّيَ لَم أَركَب جَواداً وَلَم أَقُل
لِخَيلِيَ كُرّي نَفِّسي عَن رِجالِيا
20. وَلَم أَسبَإِ الزِقَّ الرَوِيَّ وَلَم أَقُل
لِأَيسارِ صِدقٍ أَعظِموا ضَوءَ نارِيا
فهذه الأبيات قوية، جزلة، جميلة، يرثي بها عبد يغوث نفسه، ويهجُو قومه، ويروي بعض المواقف التي حصلت له في الأسر. والجميل فيها، والتي تجعلها من المعدودات عند الأدباء بقدرها العالي وإعجابهم بها، كونها مرتجلة.
ألقاها عبد يغوث سجية، وهو بين يدي الأسر، يحاول أن يسترحم القوم أو يعزي نفسه بهذه الأبيات. فهذا هو الجميل فيها، أنها قيلت ونُظمت في نفس الشاعر وهو بين يدي الأسر، ولم يكن له فرصة أن يراجع الأبيات أو ينتقي العبارات.
وخياله الخصب، ونفسه النظيفة، وذكاؤه، ولغته العربية القوية، هي ما جعلته ينظم حوالي عشرين بيتًا في نفسه دون أن يعيد. والواحد فينا في هذا الزمن، لو قعد ثلاثة أشهر، بل ستة أشهر، بل سنة كاملة، بل خمس سنين، لا يقرأ إلا كتب الأدب والشعر والمعاجم، فلن يستطيع أن يأتي بخمسة أو عشرة أبيات من مثل هذه القصيدة.
فالفرق كبير جدًا بيننا وبين ذلك القوم. والله أعلم



قراءة رائعة. شكرًا لك