عن السيرة النبوية
كنتُ قَد أنهيتُ منذ مدةٍ قِراءةً مُتعمِقةً في السيرة النبوية -على صاحبها أفضل الصلوات وأتم السليم- وقَدْ أَخْلَصتُ وحَفِظتُ ساعاتٍ من يومي لِمُدَةِ شهرين، لا أقرأُ فِيها شَيْئًا غيرُ السيرةِ النبويةِ، وقد كُنْتُ أَتَطَلّّعٌ لِوقتِ القراءةِ فَأنكبُ على الكتابِ لأرى ما فعل حبيبي رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وفيْ أَيّ شأنٍ هو، وفي أيّ مُنعطفٍ مِن مُنعطفاتِ سيرته الشريفة قد وصل.
وإنَّ العبْرَةَ لتسكُبْ عِندما يصِلُ القارئُ إلى موتِهِ صلى الله عليه وسلم، ويستعيد القارئُ بِداياتِ السيرةِ والقراءةِ في أمر ولادَتِهِ ثُمّ طُفُولتِهِ وما واكبها من أَحدَاثٍ، ثُم شَبَابِه وما عُرِفَ مِنهُ من صدقٍ وأمانةٍ، ثم ما قبل بعثته مِن الأماراتِ، ثم بعثته فدعوته فتكذيبه وإيذاؤه حتى هجرته الشريفة، ثم حروبِه وغزواتِه حتى الفتحِ المبينِ وتوافدِ العربِ عليه مُسلمينَ مُؤمنينَ، وما صاحبَ قراءةِ تلك الحوادث العظام؛ من الشروفِ على شمائله واخلاقه وسمته وهديه فيستمر الدمع في فيضٍ لانسدال آخر فصل ٍمن أفضلِ سيرةٍ وأعظمِ حكاية .
والقراءةُ في السيرةِ النبويةِ من أشرفِ الشرفاتِ القرائيةِ وأعلاها شأنًا ، كيف لا وأنتَ تَمضي وتَتَبع وتُقْفِي أَثَرَ خيرِ البريةِ وأعْظَمَهُمز تَقرأُ في شأنِه من يوم ولادته حتى وفاته، وما بين ذلك من القصص والأخبار والملاحم التي لا تَجِدُها موثَّقةً هذا التوثيق في حياة أي عظيم أو زعيم آخر. ومن مميزات هذه السيرة عن أُخرياتها؛ ما تَحويهِ مِنْ عبرٍ وفوائدَ وتوجيهاتٍ وسننٍ وأوامِرَ جَعلتْ قراءتها كالفرض المفروض الذي لا ينجو مسلم إذا لم يأت به. والسيرة النبوية فيها كل ما تشتهيه نفسُ القارئِ وتَلَذُّ عينُهُ به ، فهي لهاوي الفقه مليئةٌ بالأحكامِ والأوامر، ولطالبِ أصولُ الفقهِ زاخرةٌ بالقواعدِ الأصوليةِوطرقِ الاستنباط، ولمحب اللغة ناضِحةٌ بالخطبِ البليغةِ واللغةِ الرفيعة، ولغاوي القصص مُشبعةٌ بالقصص البطولية والملاحم العظيمة.
و سيرة النبي- صلى الله عليه وسلم- تُعَدُّ زادًا وهديًا لكل شؤون الحياة، فهي المردُّ بعدَ القرآنِ الكريمِ في كلُ مرةٍ تحتاجُ فيها إلى إشارةٍ وضَّاءة، فعندَ الحزنِ: هناك هَديُ النبي - صلى الله عليه وسلم- في عام حُزنه، وعندَ الفَرح: هناك هَديهُ - صلى الله عليه وسلم كفرحه يومَ الفرقان عندما أعلى الله المسلمين ونصرهم وأخزى المشركين وأنكسهم، وعند الضيق واشتداد الحال: هناك هديه كسائر أيامه في مكة قبل الهجرة وتحديدا عند الحصار في الشعب. وفيها أيضا إرشادات أسرية كحال النبي مع أهل بيته ومن ذلك كثير في السيرة.
والقراءة في السيرة توقظك لشيء مهم تسارع الأيام يغفلك عنه: وهو أنّ هذا الدين بكلِّ تفاصيله من صلاةٍ وصومٍ وقرآن لمْ يُحفظْ لك هكذا كيفما اتفق؛ بل إن دماءً أُهرقت وبطُولاتٍ سُطّرت وتضحياتٍ ُخلدت في سبيلِ أنْ يصلكَ هذا الدين كما هو الآن، لا صوتٌ يعلو فوقَ صوتِ الآذان، والقرآنُ يُتلى في كل مكان. وتُوقظُ فيكَ السيرةُ أيضًا؛ حقيقة أنّ اللهَ استعملَ لحفظِ هذا الدين رجالًا أفذاذًا أحاطَ اللهٌ نبيه بهم ، فقاتلوا مفدين دماؤهم في سبيله لا يخرجون عن أمره، فكان الواحد فيهم يُؤسَر فيخاف أن يُشَاكَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - وهو بين يدي الأسر، فكان منهم مهاجرون تركوا أموالا وأزواجا وأهلا وعشيرة استجابة لأمره، وأنصارًا بايعوه أن يؤوه وينصروه مما ينصرون به أنفسهم وأهله وزيادة ، فاستحقوا منا أن نترضى عليهم ما مدت ألسنتنا بأسمائهم لقاء ما فعلوه من فداء وبطولة وتضحية في سبيل الله ورسوله .
وتتميز سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بأنها أصح سيرة لنبي مرسل، فقد عكف صحابته في تسجيل حركاته وسكناته وحديثه وسكوته ، قدومه وذهابه ، فكل شيء نقلوه ثقة عن ثقة. وهي سيرة رجلٍ أكرمه الله بالنبوة والرسالة؛ فلم تخرجه السيرة من إنسانيته فهو الأب والزوج ويبيع ويشتري ويغضب ويضحك؛ مما يجعلها أقرب للفؤاد وأبلغ في الاقتداء والاتباع. ومن ميزاتها أنها واضحة فنعرف زواج أبويه ونعرف ولادته وموته وكل الأحداث الكبيرة التي حصلت، فلا يوجد جزء من السيرة غفل عنه المؤرخون ولا يوجد فجوة زمنية لا نعرفها عنها أي شيء.
إنه ينبغي على كل مسلم أن يداوم على قراءة السيرة ولا يكتفي بقراءة واحدة كالتي تفرض عليه في الدراسة ولا يرضى بالمختصرات التي قد تحرمه من شيء قد يجد فيه فائدة قيمة ولا ينحصر بالاستماع إلى الأشرطة ، فهي وإن كانت وسيلة محببة وعملية إلا أن للقراءة مفعول السحر في الاندماج، وهي عندي أحرى بترك الأثر والاعتبار.




أُريد افضل كتاب لسيرة النبي عليه الصلاة والسلام
اعطوني ناس يقولونها وموثوق فيهم وجزاكم الله خير