قلب كافوريات المتنبي
فَما كانَ ذَلِكَ مَدحاً لَهُ | وَلَكِنَّهُ كانَ هَجوَ الوَرى

كان المُتَنَبّي مِن أُمراءِ البيانِ، وبُلوغُه في الشِّعرِ أظهَرُ مِن ليلةٍ قمراءَ إضحيان، وله مِن الأبياتِ الفاخرة؛ ما صيَّرَ أمثالًا سائرة، لِما فيها مِن أوصافٍ عالية، وحِكَمٍ دانية، يلتقطُها الأديبُ والفقيهُ والخطيبُ والشّيخُ والعاميّ.
ويقولُ مصطفى صادق الرافعي:
"إن هذا المتنبي لا يفرغ ولا ينتهي، فإن الإعجاب بشعره لا ينتهي ولا يفرغ وقد كان نفسًا عظيمة خلقها الله كما أراد، وخلق لها مادتها العظيمة على غير ما أرادت، فكأنما جعلها بذلك زمنًا يمتد في الزمن.
وكان الرجل مطويًا على سر ألقي الغموض فيه من أول تاريخه، وهو سر نفسه، وشر شعره، وسر قوته؛ وبهذا السر كان المتنبي كالملك المغصوب الذي يرى التاج والسيف ينتظران رأسه جميعًا، فهو يتقي السيف بالحذر والتلفف والغموض، ويطلب التاج بالكتمان والحيلة والأمل."
ولمّا يُعلَمُ مِن قدراتِ المُتَنَبّي الشِّعريّة واللُّغويّة، وما يُعرَفُ مِن تحامُلِه على كافورٍ مِن أوّل يوم، وما قاله صريحًا في أبياته، مثل قوله:
وَشِعرٍ مَدَحتُ بِهِ الكَركَدَنَّ
بَينَ القَريضِ وَبَينَ الرُقى
فَما كانَ ذَلِكَ مَدحاً لَهُ
وَلَكِنَّهُ كانَ هَجوَ الوَرى
وقوله:
فَأَصبَحتَ مَسروراً بِما أَنا مُنشِدٌ
وَإِن كانَ بِالإِنشادِ هَجوُكَ غالِيا
قام الأدباءُ وشُرّاحُ الشِّعرِ ونقّادُه بالعودةِ إلى مدائحِ المُتَنَبّي إلى كافور، ووجدوا فيها ما يدلِّلُ على صدقِ المُتَنَبّي في دعواه، فقام أحدُهم وهو: عبدالرحمن بن حسام الدين الرومي بتأليفِ رسالةٍ كاملةٍ أسماها (قلب كافوريات المتنبي) قام فيها بشرحِ المدائحِ على وجهٍ يُبيِّنُ فيها بأنّها هِجاءٌ لكافور، وقد انتخبتُ منها عددًا مِن الأمثلة، سنُبيِّنُها بعد توطئةٍ للعلاقةِ بينهما:
فِراقُ سيفِ الدولةِ الحمدانيّ:
بقوله:
يا مَن يَعِزُّ علينا أن نُفارقهم
وِجْدانُنا كل شيءٍ بعْدَكُم عَدَمُ
إذا ترحَّلتَ عن قومٍ وقد قدَروا
ألا تُفارِقهُمْ فالرَّاحلونَ هُمُ
فارَقَ المُتَنَبّي أحمدَ بنَ الحسين مجلسَ سيفِ الدولة الحمداني، بعد أن أثقلَ جُلساؤه المُتَنَبّيَ عليه، فعَلِمَ المُتَنَبّي بأُمورٍ يعرفها بأنّ صفوَ وِدادِه قد تعكّر، وحُلوَ أيّامِه تحنظل، وقد دخلَ في النفوسِ ما دخلَ مِن الشحناءِ والبغضاءِ والغِلِّ والحسد.
ثم توجَّهَ المُتَنَبّي تلقاءَ مصر نحو بحرٍ أزره، إلى أبي مسك كافور الإخشيدي، وكان الأخيرُ مِن الموالي العبيد وتدرّجَ في الحكم حتى واتته الفرصةُ ليكونَ ملكَ الدولةِ الإخشيدية، وكثيرًا ما كان يخطبُ وُدَّ المُتَنَبّي، ولكنّ الأخيرَ مترفِّعٌ عنه، حتى جارَ الزمانُ عليه وأحوجه إلى قصدِه والنزولِ لظلّه.
وبعد الرحلةِ الطويلة، والشدِّ والجذب، استهلَّ المُتَنَبّي كافورياته بـ:
كَفى بِكَ داءً أَن تَرى المَوتَ شافِيا
وَحَسبُ المَنايا أَن يَكُنَّ أَمانِيا
وقال فيها يقصدُ سيفَ الدولة:
حَبَبتُكَ قَلبي قَبلَ حُبِّكَ مَن نَأى
وقَد كانَ غَدّاراً فَكُن أَنتَ وافِيا
فكانت باكورةُ قصائده مفتتحةً بتمنّي الموت، وتذكُّرِ الحبيبِ السابق، والحزنِ على الفراق، في تعبيرٍ واضحٍ عن طبيعةِ العلاقةِ التي ستجمعُ كافورًا بالمُتَنَبّي، والتي ستنتهي بما سنُبيِّنُه قادمًا.
سببُ العداوة:
ونُلخِّصُ سببَ العداوةِ في أنّ المُتَنَبّي لم يقصدْ مِن وفودِه إلى كافور إلا مَنيّتَه بأرضٍ يقطعُها له، أو إمارةٍ يؤمِّرُها إيّاه، ولكن ذلك لم يكن، وخابَ رجاءُ المُتَنَبّي، وتبخّرَ أملُه. وقد كان قد صرّحَ بذلك كثيرًا في قصائده، ولمّا أكثرَ مِن التعريضِ بالطلب، وحشرِه بين المدائح؛ ضاقَ كافورُ ذرعًا بذلك، ولم يُجِبْه إلى ما يريد، وقيل إنّ القشّةَ التي قصمت ظهرَ البعير كان رثاءُ المُتَنَبّي لشبيب الخارجي الذي قتله كافور، وأيضًا مدحُه لفاتك الأسدي وما بينهما مِن عداوة. فعزمَ كافورُ على حبسه. اثم إنّ المُتَنَبّي هربَ مِن كافور ليلةَ العيد، وابتدأ بعد ذلك عصرٌ جديدٌ مليءٌ بالهجاءِ المقذع، الذي تمكّنَ به المُتَنَبّي مِن أن يُفسدَ صورةَ كافور في سطورِ التاريخ.
قلبُ الكافوريات:
منها قولُ المُتَنَبّي:
أَنْتَ الْحَبِيبُ وَلَكِنِّي أَعُوذُ بِهِ
مِنْ أَنْ أَكُونَ مُحِبًّا غَيْرَ مَحْبُوبِ
يقولُ صاحبُ الرسالة:
"انظر إلى حذق الرجل فإنه صاغ البيت على أسلوب يحتمل أن تصرف الاستعادة بالحبيب فيكون مدحا وأن تصرف الاستعاذة بالله فتكون هجوا على معنی : أنت الحبيب لمن أطاعك من السفهاء ، ولكني أعوذ بالله من أن أكون محباً لشخص هو غير محبوب عند الله"
وحصلَ أنَّ كافورًا بنى دارًا وطالبَ شاعرَ البلاطِ بمدحه ومدحِ الدار، فقال المُتَنَبّي في مطلعِ القصيدة:
إِنَّما التَهنِئاتُ لِلأَكفاءِ
وَلِمَن يَدَّني مِنَ البُعَداءِ
وَأَنا مِنكَ لا يُهَنِّئُ عُضوٌ
بِالمَسَرّاتِ سائِرَ الأَعضاءِ
فهو يمدحُ نفسَه فيها مُشرِكًا إيّاها مع الأمير، ويتجلّى ذلك في قوله:
وَفُؤادي مِنَ المُلوكِ وَإِن كا
نَ لِساني يُرى مِنَ الشُعَراءِ
ولطالما عرَّضَ المُتَنَبّي ـ بدهاء ـ بلونِ بشرةِ كافور، فحتى عندما يصفُه بأنّه الشمس، فإنّه يقصدُ بها الشمسَ السوداءَ حالَ الكسوف، وهو ظاهرٌ مِن قوله:
تَفضَحُ الشَمسَ كُلَّما ذَرَّتِ الشَمـ
ـسُ بِشَمسٍ مُنيرَةٍ سَوداءِ
إِنَّ في ثَوبِكَ الَّذي المَجدُ فيهِ
لَضِياءً يُزري بِكُلِّ ضِياءِ
إِنَّما الجِلدُ مَلبَسٌ وَاِبيِضاضُ الـ
ـنَفسِ خَيرٌ مِنَ اِبيِضاضِ القَباءِ
ومِن قوله:
مَن لِبيضِ المُلوكِ أَن تُبدِلَ اللَو
نَ بِلَونِ الأُستاذِ وَالسَحناءِ
يريدُ أنّ لونَه مهيبٌ ومخيف، وظاهرُ المعنى أنّ هذا حسنٌ وأنّ مهابةَ سواده مطلوبةٌ عند الملوك البيض، ولكنّه عرَّضَ بلونه، وهو ما لا يريده كافور، ويأنفُ مِن سماعه.
وقال:
عِداكَ تَراها في البِلادِ مَساعِياً
وَأَنتَ تَراها في السَماءِ مَراقِيا
فظاهرُه أنّ العُلا لكافورٍ سهلٌ متيسِّرٌ لعظمته وبليغِ قدرتِه، فلا يُكابدُ للمعالي ما يُكابدُه غيرُه، والهجاءُ فيه أنّ أعداءَ كافورٍ يُعطون المعالي قدرَها ويتهيّبونَ لها بما ينبغي، وما استسهالُ كافورٍ لها إلّا لجهلِه بها.
وقال:
أَوَدُّ مِنَ الأَيّامِ مالا تَوَدُّهُ
وَأَشكو إِلَيها بَينَنا وَهيَ جُندُهُ
يقولُ فيه صاحبُ الرسالة:
"البيت ضمنه ما يحتمل أن يكون معناه على ما في قلبه : أنا أحب من الأيام ما لا تحبه أنت يا كلور ، بل ينقضه وتحذر منه وهي الشدائد لأن الأيام إذا أطلقت براد بها الشدائد وقد ورد في القرأن العظيم : " وذكرهم بأيام الله "
ثم قال:
يُباعِدنَ حِبّاً يَجتَمِعنَ وَوَصلُهُ
فَكَيفَ بِحِبٍّ يَجتَمِعنَ وَصَدُّهُ
"خلاصة ما في إليه أنه يتعجب من عدم تبعيد الأيام بينه وبين كافور مع أن شيمة الأيام بتبعيد الحبيب المواصل ، فكأنه يقول : فما باله لم يبعد بيني وبين الحبيب المقاطع ، ولا يبعد أنه عنى بالحبيب المواصل سيف الدولة ، وأنه كان الحبيب المواصل فبعده عنه ، وأشار إلى هذا بقوله:
أَبى خُلُقُ الدُنيا حَبيباً تُديمُهُ
فَما طَلَبي مِنها حَبيباً تَرُدُّهُ"
وأيضًا مِن أمثلةِ القلبِ قوله:
لَقَد شَبَّ في هَذا الزَمانِ كُهولُهُ
لَدَيكَ وَشابَت عِندَ غَيرِكَ مُردُهُ
ففي الظاهرِ هو هنا يذمُّ سيفَ الدولة عالمًا أنّ شعرَه سيصلُ إليه، فيقول إنّه بالظلم صار المردانُ شيبًا عنده، وفي القلبِ قال ابنُ جني: إنّ الكهولَ عندك يا كافور مِن ظلمِك وبطشِك صاروا صبيانًا مُستصغَرين.
وفي الرسالةِ وشروحِ ديوانِ المُتَنَبّي ما هو أكثرُ مِن ذلك، ولكن هذا ما تيسّرَ ذكرُه.
هل في القلبِ تكلُّف؟
لا بدَّ مِن التنويهِ مِن أنّ كثيرًا مِن الأدباءِ وشُرّاحِ الشعر لا يوافقون على هذا النهج، وكثيرًا منهم يرى فيه تكلّفًا وتَقعُّرًا، وقد يُبالغُ الشارحُ في بيانِ أوجهِ الهجاءِ في المدح بما يُخالفُ أساليبَ اللغة.
ومِن يرى بالقلبِ العالمُ اللغويُّ الشهير ابنُ جني صاحبُ معجمِ مقاييسِ اللغة، وقد كان معاصرًا للمُتَنَبّي، ويُروى أنّه سأله عن بيتٍ مِن كافورياته أفيها هِجاء؟ فابتسمَ له المُتَنَبّي بما يُفهَمُ منه أنّه لم ينفِ ولم يُثبت، ولكنّ السكوتَ عند الحاجةِ إلى البيانِ بيانٌ، وللمعرّي كذلك وجهةُ نظرٍ موافقةٌ لهذا وهو مِن المنتصرينَ للمُتَنَبّي.
ومِن الأمثلةِ التي أراها مبالغةً في القلبِ قوله:
أَبا المِسكِ هَل في الكَأسِ فَضلٌ أَنالُهُ
فَإِنّي أُغَنّي مُنذُ حينٍ وَتَشرَبُ
فيقولُ صاحبُ الرسالة إنّ ذكرَ المُتَنَبّي لكنيته (أبو المسك) هو مِن بابِ ما اعتادتْه العربُ مِن تسميةِ الشيءِ بضدِّه، كقولهم للصحراءِ مفازة، والملدوغِ بالسليم، فهو يريد أنه كريه الرائحة(وقد هجاه بأنه نتن الرائحة في عدد من الأبيات) وهو ما أراه بعيدًا ولا يستقيمُ أيُّ مدحٍ إذا أُخِذَ بهذه الطريقة.
كافورُ في الميزان
وأخيرًا، فإنّه مِن الضروريّ البيانُ بأنّ هجاءَ المُتَنَبّي لكافور لم يكن انتصارًا للرعيّةِ عليه، ولا بتعطّلِ المصالحِ في بلاده، ولا لكثرةِ المظالمِ وفشوِّ الفساد، بل لحاجةٍ في نفسِه لم يهبْها إيّاه كافور.
ولهذا عكفَ القرّاءُ كثيرًا للدفاعِ عن كافور، وبيانِ أنّ شعرَ المُتَنَبّي وهجاءَه قد ظلمَه، وأصبغَ عليه صورةً شنيعةً لن تُفارِقَ عقلَ القارئ مهما قرأ في التاريخِ عن مناقبِ كافور.
وممّا لا شكَّ فيه أنّ وصولَ عبدٍ إلى دِفّةِ الحكم، واستيلاءَه عليه مِن دلائلِ حنكته وفطنته، ولكنّه لم يُحسِنْ مداراةَ المُتَنَبّي، وغفلَ عن حقيقةٍ مهمّة، وأنّ المُتَنَبّي لو كان يُغريه المالُ فقط للبثَ تحت ظلِّ سيفِ الدولة، وإنّما قصدَه لكافور كان لغرضٍ واضحٍ عرَّضَ به وصرَّح، ولكن كافورًا لم يرضخْ ولم يقبل، وتشوهت صورتُه بعد ذلك. واللهُ أعلم.
.


