عمر بن الخطاب والشعر والشعراء
بعض من مواقف الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع الشعر والشعراء
لا يخفى على الجميع أهمية الأدب عند العرب، وقد قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:
إن الشعر هو ديوان العرب.
وهذا صحيح، فبطولاتهم وأخبارهم وتعبيراتهم عما يختلجُ صدورهم، كل ذلك يصدِروه، ويخرجوه على شكل أبيات وقصائد، ولهذا فإن الشعر له أهمية محورية عند العرب فيحفظونه، ويعلمونه أبنائهم الصغار.
وكان خليفة المسلمين الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه من المتذوقين للشعر العالمين به الناقدين له فكان رضي الله عنه يحفظ كثيرا من الأبيات وكان له فهم أدبي وسيع،فينتقد ويحللها وما إلى ذلك
وكان يحب من الشعرِ شعرَ زهيرٍ بن أبي سلمى أحد شعراء المعلقات، فكان يجلس مع أبناء هرم بن سنان، وكان زهيرٌ يمدح هرم بن السنان هذا كقوله :
تراه إذا ما جئته متهللا
كأنك تعطيه الذي أنت سائله
فكان يجلس عمر رضي الله عنه مع بني هرم ابن سنان،ويطلب منهم أن ينشدونه قصائد زهير ابن أبي سلمى في مدح أبيهم. فكان يعجبه ذلك فكانوا يقولون: أن أباهم كان يجزل له العطاء ويكرمه، فقال عمر بن الخطاب: أما ما أعطيتموه فقد ذهب، وأما ما أعطاكم هو من المديح فما زال باقيًا يذكر وينشر، وفي قصيدته ومعلقته ما يشهد على هذا.
المهم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يتذوق الشعر وكما أسلفنا: فإن الشعر هو أحد الأساليب التي يعبرون عنها وكانوا يستخدمونه للاسترحام والاستعطاف، وكانوا أيضا يستخدمونه في الفخر والحماسة والاستعداء والهجاء فمقاصد الشعر وأغراضه كثيرة جدا.
وفي عهد عمر بن الخطاب حصل كثير من الوقائع التي تدل على أهمية الشعر وعلى استخدامه لأغراض كثيرة والقصص كثيرة جدا.
ومن هذه القصص الكثيرة؛ وجدت هذه الثلاث قصص التي فيها مناحي لطيفة، وأبيات مشهورة يمكن الإنسان أن يستمع إليها وأن يسردها.
القصة الأولى: الحطيئة والزبرقان
الحطيئة هو أبو مليكة جَروَل بن أوس واشتهر بالحطيئة، وقد هجى الزبرقان بن البدر في هجاء مقذع سببه ليس هذا محل بيانه فقال فيه الأبيات المشهورة:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها
واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسيمن يفعل الخير لا يعدم جوازيه
لا يذهب العرف بين الله والناس
فمعناها: دع المكارم فلست على قدرها، وحالك أفضل قاعدًا مستورًا يأتيك طعامك وكسوتك إليك، أي أنه يشبه بالنساء . فدفع الزبرقان بن بدر هذه الأبيات إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم كان من عمر إلا أن حبس الحطيئة.
والحطيئة شاعر، صناعته لسانه، فقرر أن يسترحم ويستعطف أمير المؤمنين بهذه الأبيات فقال:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ
حمر الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة
فاغفر عليك سلام الله يا عمر
أنت الأمين الذي من بعد صاحبه
ألقت إليك مقاليد النهى البشر
لم يوثروك بها إذ قدموك لها
لكن لأنفسهم كانت بك الخير
فبكى عمر تأثرا بما سمعه، وأمر بإطلاق سراحه وهم على لجم لسانه فاشترى أعراض المسلمين منه ب 3000 درهم، فقال الحطيئة شاكيا:
وأخذتَ أطرافَ الكلام فلم تدع
شتماً يضرُّ ولا مديحاً ينفعُ
وحميتني عرضَ اللئيمِ فلم يخف
ذمّي وأصبحَ آمناً لا يفزعُ
الشاهد هو أن الحطيئة استرحم أمير المؤمنين بأبيات لطيفة يشكو فيها حاله وحال أبنائه الذي كان عائلهم وكاسيهم وموكلهم.
القصة الثانية: بني العجلان والشاعر النجاشي الحارثي:
وقعت هذه القصة بين بني العجلان والنجاشي الحارثي وليس له علاقة بالنجاشي ملك الحبشة.
وحاصل الأمر أن النجاشي هجى بني العجلان بهجاء شديد، فما كان منهم إلا أن ذهبوا إلى أمير المؤمنين ليسمعوه الهجاء الذي هجاهم، به، النجاشي، فقال عمر بن الخطاب: اسمعوني ما قال، أي كان يطلبهم البينة فالبينة على المدعي.
ولكنهم أبوا حرجًا مما فيها من الهجاء، فعاد فسألهم عنها، فبعد تردد قالوا:
إذا الله عادى أهل لؤم ورقة
فعادى بني العجلان رهط ابن مقبل
فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن الله لا يعادي مسلما، وكانوا يترددون أو يتحرزون أن يأتوه بالأبيات كاملة لأن فيها هجاء شديدًا، فقالوا:
قبيلة لا يغدرون بذمة
ولا يظلمون الناس حبة خردل
فقال عمر بن الخطاب: وددت أن آل الخطاب كانوا كذلك، فمقصد الأبيات أن هؤلاء قوم ضعاف لا يظلمون الناس حبة خردل لعدم قدرتهم على الظلم، وإنما منهج عمر بن الخطاب في التعامل مع هذه الأبيات أن يخرجها بأحسن مخرج لأن القاعدة الشرعية تقول أن الأصل براءة الذمة، وأن الأصل في الذمة السلامة فهو كقاض الآن لا يأخذ الأبيات بظاهرها وإنما يحاول أن يخرج أن يخرج لها مخرجا حسنا.
فأكملوا له الأبيات، فقالوا:
تعاف الكلاب الضاريات لحومهم
وتأكل من كعب وعوف ونهشل
فقال: كفى ضياعًا من تأكل الكلاب لحمه، فليس بذلك بمزية، وباطنه مثل سابقه، بأن الكلاب أنفسها تأنف من لحومهم.
فقالوا :
ولا يردون الماء إلا عشية
إذا صدر الوراد عن كل منهل
فقال: ذلك أصفى للماء، ومعناه: بعد ما تأخذ كل قبيلة حصتها من الماء يأتون هم في الأخير.
فقالوا:
وما سمي العجلان إلا لقوله
خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل
وهذا قول خطير، واتهام صريح في أصالة أبيهم، وطعنٌ في نسبهم، فتحرج من هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقرر أن يستدعي أهل الاختصاص، فما كان منه وإلا أن ذهب إلى الحطيئة (وقيل حسان بن ثابت) المشهور الهجاء فردد له الأبيات.
فتلا عمر الأبيات على الحطيئة ثم سأله: أفي هذه الأبيات هجاء؟ فقال الحطيئة إن في هذه الأبيات هجاء، شديد، وأشد من الهجاء واستخدم لفظة أكرم مسامعكم عنها.
فالشاهد في هذه الأبيات أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إنسانا حذقا ويفهم الشعر ويعلم مقاصد الأبيات هذه وظاهرها، ولكنه خلع عباءة الأديب، وناقد الشعر، وارتدى عباءة القاضي الذي أحاول قدر المستطاع أن يجعل الأصل في ذمة الإنسان بريئةً ولكن عندما سأل أهل الاختصاص واطمأن قلبه أن بها هجاءً حكم على النجاشي الحارثي بما يستحق.
القصة الثالثة: تطاول هذا الليل وازور جانبه:
وهي قصة حصلت من ثمار قيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالعسس وهو الحراسة الأمنية الليلية، فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعسُ في الليل، وقيامه بهذا العكس بنفسه من أعمال عمر بن الخطاب رضي الله عنه العظيمة والجليلة.
وكان بإمكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يكل هذه المهمة إلى عماله ومواليه، وأن يرصد لها أجرا، ولكن عمر بن الخطاب أحبّ أن يفعل ذلك بنفسه.
وفي إحدى القصص الشهيرة: كان عمر بن الخطاب يحمل بعض الطعام يريد أن يوصله إلى إمرأة فقيرة لتأكل هي ويأكل معها أبناؤها. فكان يحمل الطعام على ظهره، فكان أسلم مولاه يقول: دعني أحمل عنك أمير المؤمنين، فقال له أمير المؤمنينك أتحمل وزري يوم القيامة.
هذا استطراد بسيط، ونعود إلى القصة:
في أحد الأيام التي يعس فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان قد سمع امرأة تقول في ضيق شديد:
تطاول هذا الليل وازور جانبه
وأرقني أن لا خليل ألاعبه
ألاعبه طوراً وطوراً كأنما
بدا قمراً في ظلمة الليل حاجبه
يسربه من كان يلهو بقربه
لطيف الحشا لا يحتويه أقاربه
فوالله لولا الله الذي لا شيء غيره
لنُقض من هذا السرير جوانبه
ولكنني أخشى رقيباً موكلاً
بأنفاسنا لا يفتر الدهر كاتبه
مخافة ربي والحياء يصدني
وإكرام بعلي أن تنال مراكبه
فسمع عمر بن الخطاب هذه الأبيات فرق لها وعلم مقصدها، وعلم أن هذه امرأة تشكي غياب زوجها الذي كان في أطراف بلاد المسلمين قائمًا ومرابطًا على ثغر وغيابه لهذه الفترة الطويلة؛ جعل زوجته تشكي الحال بهذه الأبيات الرقيقة.
فذهب عمر بن الخطاب إلى حفصة ابنته رضي الله عنها، فقالت: يا أمير المؤمنين ما جاء بك في هذه الساعة، فقال: أي بنية كم صبر المرأة عن زوجها، فقالت: قد تصبر الشهر والشهرين والثلاثة ولكن في الرابعة تفقد الصبر.
فقعّد ذلك واعتمده مدةً للتكليف يعود الجندي بعدها إلى أهله ليجدد الحال والعهود، ويقطع بالأنس الوحشة، وباللقاء الفراق، وبالحضن الوجد.
وكان هذه من ثمار العسس الذي كان يقوم به عمر بن الخطاب،ويظهر فيه تلمسه لحال رعيته ذكورا وإناثا.
وأيضا سؤاله لأهل الاختصاص مرة أخرى وسؤاله واعتباره لرأي الإناث فيما يختص بهن من أمورهن الخاصة.
————————————-
بعض المقالات في الشعر:
ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا
قلب كافوريات المتنبي
بعض المقالات في التاريخ:
مقام المحدثية: تأمل في خصلة من خصال عمر بن الخطاب
قناتي بالتيليقرام



آخر قصة!!! ):