المناجاة بين يدي الله
ما ألذ المناجاة بين يدي الله عند القنوت ، أن تذكره وتحمده وتثني عليه بما هو أهله ، أن تحمده على كل صغيرة وكبيرة ، على كل نعماء أغدقها عليك ، وعلى كل ضرَّاءٍ صدّها عنك ، عن نِعمة الهداية بعد ضلال ، والرزق بعد حرمان ، والعطاء دون سؤال ، عن واسع كرمه وعظيم منّه.
وأن تُثني عَليه الخير كله ، تنتقي من المدائح أعظمها ، ومن الصفات أكملها وأحسنها ، تنتخب مما ورَد ثناءً يُجَّلي ولو بقليل عمّا تُحسُّه ؛ عبداً فقيرًا بين يدي مَلك السماوات والأرض. ولأنه المتصف بُكل صفات الكمال والعظمة. المُنزه عن كل النقائص والمعايب: يعييك الثناء عليه بحثًا عن شيء يقترب من حقِّه قي الثناء ، فتلتمس بين يديه المغفرة عن ذلك.
وكما يفعل الإنسان في بلاطِ مَلِكٍ معظّم أو سُلطانٍ مُبجل ، بعد أن يمدحه بما تُمدح الملوك ، ويُقرِئ على مسمعه أطيب الأشعار والكلمات والخطب والرسائل ؛ يُسّلم له طلباته وحوائجه ، ويقدمها منكسرا ، مشذبا اياها من مطالبه التي قد تُرد من الملك ، مُمنيا نفسه لو أن قَبِل نصفها أو ثلثها وأعطاه منها ثلثها ، فهذا حاله مع ملك هو مثله أحد عباد الله.
أمّا حاله مع ملك السماوات والأرض ومن فيهن ، فإنّه بعد أن استغرق في مدحه والثناء عليه ؛ فإنه يأتيه منكسرا ، يُقّدم مطالبه على خجل ووجل ، مع أنه يسأل من يعطي ولا يبالي ، من يستحي أن يرد سائله صفرًا ، من يحب أن يُلحَ عليه في الطلب والسؤال ، ولكن الخجل والوجل من ضآلة العبد وتفاهته وحقارته بين يدي ملك السماوات والأرض ، يستحي بأن يسأله وهو الذي قابل نِعم الله بالجحود ، ونداءه بالصدود ، متعديا على الحدود.
ولكن ما العمل؟ إذ القلوب مفضية إليه ولا مَلجأ منه إلا إليه ، وما العمل ؟ إذ لا معطي لما منع ولا مانع لما أعطى ، وما العمل ؟ إذ بيده ملوك السماوات والأرض ، فيقدم العبد مسألته فيعجبه احساسه بقربه وعِلمه بسماعه لدعاءه ، فتنفلق اسارير قلبه ، وينهمر سيل مشاعره ، ويُجّلي عن كل مشاعره.
وعن فضالة بن عبيد:
سمعَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رجلًا يَدْعُو في صلاتِهِ فلمْ يُصَلِّ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال النبِيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عَجِلَ هذا ثُمَّ دعاهُ فقال لهُ أوْ لغيرِهِ إذا صلَّى أحدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ اللهِ والثَّناءِ عليهِ ثُمَّ لَيُصَلِّ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ثُمَّ لَيَدْعُ بَعْدُ بِما شاءَ. رواه أبو داود والترمذي
فالحمد لله على نعمة التلذذ بالثناء عليه وحمده وشكره والتذلل والخضوع بين يديه ، وعلى نعمة الدعاء له والتوكل عليه.
بعضُ ما ورد عن النبي ﷺ في مناجاة الله والثناء عليه:
قال ابن عباس رضي الله عنهما:
كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ، قالَ: اللَّهُمَّ لكَ الحَمْدُ، أنْتَ نُورُ السَّمَواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ، ولَكَ الحَمْدُ، أنْتَ قَيِّمُ السَّمَواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ، ولَكَ الحَمْدُ، أنْتَ الحَقُّ، ووَعْدُكَ حَقٌّ، وقَوْلُكَ حَقٌّ، ولِقاؤُكَ حَقٌّ، والجَنَّةُ حَقٌّ، والنَّارُ حَقٌّ، والسَّاعَةُ حَقٌّ، والنَّبِيُّونَ حَقٌّ، ومُحَمَّدٌ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لكَ أسْلَمْتُ، وعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وبِكَ آمَنْتُ، وإلَيْكَ أنَبْتُ، وبِكَ خاصَمْتُ، وإلَيْكَ حاكَمْتُ، فاغْفِرْ لي ما قَدَّمْتُ وما أخَّرْتُ، وما أسْرَرْتُ وما أعْلَنْتُ، أنْتَ المُقَدِّمُ وأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لا إلَهَ إلَّا أنْتَ، أوْ: لا إلَهَ غَيْرُكَ. رواه البخاري ومسلم
للمزيد:



