حتمية الرزق .. فائدة من سورة الكهف
جمعتْ سورةُ الكهف ما سيأتي به المسيحُ الدجال من الفتن، وهي فتنٌ سيُشكِّل بها ويحتال بها على الناس: ففي قصة صاحب الجنتين فتنةُ المال، وفي قصة الفتية فتنةُ الدين، وفي قصة موسى عليه السلام والخضر فتنةُ العلم، وفي قصة ذي القرنين فتنةُ الملك.
ولهذا وافق أن تكون السورة من سبل الوقاية منه.
فمن بعض ما ورد في ذكر فضائل السورة:
قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا هشام بن يحيى عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصِم من الدجال».
ونقل أيضًا الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا شعبة عن قتادة، سمعت سالم بن أبي الجعد يحدث عن معدان عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: «من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عُصِم من فتنة الدجال» ورواه مسلم.
وانفرد الإمام أحمد بهذا الخبر فقال: حدثنا حسين، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورًا من قدمه إلى رأسه، ومن قرأها كلها كانت له نورًا ما بين السماء والأرض».
وأحبُّ أن أفصِّل أكثر في قصة الغلامين صاحبي الجدار وما فيها من عبرةٍ دقيقةٍ لمن يعتبر:
تدبيرُ الله سبحانه وتعالى فيه من العجائب واللطائف ما يستوجب التوقف والتأمل، فهذا الكون الفسيح بمقاديره ومكوناته كلها يتحرك في عين الإنسان المجرَّدة بعشوائيةٍ وبلا انتظام، ولكن في علم الله تعالى وبقدرته كلُّ شيءٍ يتحرك بخطةٍ واضحةٍ منظمةٍ ودقةٍ متناهية.
ويرتبط هذا الكلام بالقدر وتدبيره، في كيف أن الله يسخر كل شيءٍ في الكون ليهب لك من واسع فضله وجزيل عطائه نعمةً لك أو يوصل إليك رزقك، فتخنقك العبرة من ضآلتك وضآلة مطلبك، ومن عِظَم الله سبحانه وعظيم عطائه ومنِّه.
يقول سبحانه وتعالى في سورة الكهف: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا}، فهذان غلامان يتيمان، وحالتهما المادية لا تستوجب كثيرَ بحثٍ، فاليُتم مرتبط بالفقر في الغالب، وهما يعيشان فقرهما لا يعلمان ما خبَّأه الله لهما من رزقٍ سيقلب عيشهما من فقرٍ إلى غنى، ومن ضيقٍ إلى سعة.
والعجيب هو في كيف دبَّر الله سبحانه تدبيراتٍ وقدَّر تقديراتٍ إلى أن يصلا إلى كنزهما، ففي مسلم أن أُبيَّ بن كعب رضي الله عنه قال: "سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: بينما موسى في ملإٍ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال له: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ قال موسى: لا، فأوحى الله إلى موسى: بل عبدُنا الخضر".
فسخَّر سبحانه وتعالى لهذين الغلامين رجلًا يسأل موسى عليه السلام عن أعلم أهل الأرض، فيُسخَّر لموسى أن يجيب باسمِه عليه السلام، فيشير سبحانه إلى الخضر، فيلتقي هو وغلامه بالخضر عند مجمع البحرين، فيقع بتسخير الله ما وقع من القصص والحوادث، فيصلان إلى القرية، فيُسخَّر لهم أن أهل القرية لا يطعمونهم، فيقوم الخضر ويبني ويقيم الجدار الذي أسفلَه كنزُ الغلامين.
فتأمل في عدد الأحداث والتفاعلات القدرية التي كلُّ واحدةٍ منها قصةٌ بحد ذاتها، وكيف أنتجت هذه الأحداث أن يصل الغلامان إلى كنزهما.
ويستفيد الإنسان من القصة أيضًا أن الله من جوده وإحسانه وعظيم عطفه على عباده أنه يحفظ لهم صنيعهم وصالح أعمالهم، طال بهم الزمن أو قصر. فالله سبحانه حفظ الكنز للغلامين لكرمه وفضله أولًا، ولعمل أبيهما الصالح.
وقد اختلف المفسرون في معنى الأب، فالأب لغةً يُطلق على الأصل وإن علا، فقد يكون الأب هنا أباهما حقيقةً، وقد يكون جدَّهما الأول أو السابع فأعلى. فإن كان الأب حقيقةً كان عطاء الله معجَّلًا، وإن كان على المعنى الثاني كان عطاؤه مُدَّخرًا للغلامين، بقي محفوظًا سنين وعقودًا حتى ساق الله إليهما موسى عليه السلام والخضر ليقيما الجدار.
ولهذا على الإنسان أن يحمد الله سبحانه وتعالى على نعمه دومًا، فهو لو حاول أن يتصور التدابير التي وضعها جل في علاه ليسوق نعمه إليه أعياه ذلك، وعليه أن يحمده لعلمه بهوانه وعدم استحقاقه لهذا التدبير، فمن هو هذا العبد الضعيف العاصي قليل الحيلة لأن يكون أهلًا لهذه النعمة؟
ثم إنه لا ينبغي للإنسان أن يَعُدَّ عمله الصالح ولا أن يرقب ثمره في هذه الحياة الدنيا، فهو إن كان مخلصًا لله حقًّا ما التفت إلى هذا، وأيقن أن الله تعالى سيعطيه ويكافئه كيفما يشاء سبحانه، فيحفظه له ويدخره له في الآخرة، أو يعجِّل له به لُعاعةً من الدنيا، أو يدخرها لخلفه من بعده.
أهمُّ شيءٍ أن يُسلِّم ويوقن بأن الله تعالى لن يضيع عمله إن صلح: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى}.
والله تعالى أعلم.




جميل جميل جميل جدااا
جزاك الله خير