أَتَحَرَّى -كَبَقِيَّةِ المِسْلِمِينَ- ساعة الاستجابة في يوم الجمعة، وقد قال بعض أهل العلم إنها متنقلة وليست ثابتة؛ لِتَنَوُّعِ الأحاديث الواردة في تعيين وقتها، وقد ذكروا فيها نحو ٤٢ قولاً، ولعل إخفاءها هو لِتَحْفِيزِ الناس أن يتحروها كما يتحرون ليلة القدر. وعلى كلٍّ، فإني أتحراها كلها للدعاء بما تطيب النفس بالدعاء فيه، وخصوصاً الدعاء بالرزق.
وإن النفس لا تملّ من الدعاء بالرزق وتمنية نفسها بتعجّل حصوله، ولكن الأمور لا تُدار هكذا، ويحدث أن تثقل نفسي من استبطاء الرزق، ولِما لي من علم ذكّرتُ نفسي بحديث للنبي صلى الله عليه وسلم في هذا السياق، ورأيت فيه نُكَتًا وفوائد تستحق المشاركة.
روى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هَلُمُّوا إِلَيَّ»، فأقبلوا إليه فجلسوا، فقال: «هَذَا رَسُولُ رَبِّ العَالَمِينَ جِبْرِيلُ نَفَثَ فِي رُوعِي: إِنَّهُ لاَ تَمُوتُ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَلَيْهَا، فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلاَ يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَأْخُذُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ؛ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلاَّ بِطَاعَتِهِ».
فالله سبحانه وتعالى يعلم عِظَم هذا الأمر في النفوس؛ كيف لا وهو خالقها! ولِعِظَمِهِ أوحى إلى جبريل عليه السلام لِينْفُثَ في صدر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الوعد الرباني المهيب: «إِنَّهُ لاَ تَمُوتُ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَلَيْهَا»، وفي هذا نوع طمأنة وتهدئة بأن الرزق سيصلك، إن لم يكن اليوم فغداً، وإن لم يكن غداً فبعد غد.
ولكن هل نجلس ونرتخي؟ لا، بل علينا أن نتقي الله أولاً، وأن نجمل في الطلب ثانياً. والأمر الأول سيأتي بيانه بعد قليل، أما الثاني فهو أمر واضح بالعمل والأخذ بأسباب الرزق، وهذه من خصائص الإسلام؛ فهو دين إيجابي يستوجب من معتنقه السعي والعمل، وفلسفة التوكل والأخذ بالأسباب في الإسلام ذكية وعظيمة ومتوازنة، فأخذك بالأسباب محدود بالأمر بالتقوى.
ولِما يعلمه الله ورسوله من حب الإنسان للاستعجال -فقد قال سبحانه: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾- نَبَّهَنا نبينا الكريم لما يجب فعله عندما تضيق نفسك من تأخر الرزق، وهو أن تتذكر أن ما يُطلَب من عند الله لا يُؤخَذ بمعصيته. فمهما تردت حالك وآيَسَتْ نفسك من حصول الرزق الحلال، فلا تنحدر نحو السبل المحرمة لتحصيل الرزق أو تسعى للحرام ذاته. ويا ليت شعري! فإن هذا هو الإيمان حقاً؛ فلو أن سبل الرزق الحلال متيسرة للجميع وقت ما شاءوا لغاب معنى التحدي والإيمان والابتلاء الحقيقي، ولكن الاختبار كل الاختبار عندما تجتمع الحاجة مع سهولة الحرام؛ فحينئذٍ يميز الله المؤمن حقاً من غيره.
وعلى الإنسان أن يكون صادقاً مع نفسه؛ فقد يحلو للنفس في شدة الحاجة أن تؤول لها أحكاماً تزين طريق الحرام، كأن تقول بأن هذا الشيء عليه خلاف -وهو غير معتبر- أو أن الكل يفعله -وكان هذا ينقل الحكم الشرعي إلى الإباحة- وغيره من التأويلات.
وإن النفس لتنقبض من تأخر الرزق، وقد تيأس من تحصلِه، فيأتي هذا الوعد الرباني كماء بارد يطفئ لوعة الغيظ والسخط، وتنشرح النفس بعد ضيق، وتتحفز نحو العمل بروح متجددة؛ أن خالق هذه النفس لن يقبضها حتى تستكمل رزقها. هذا، والله تعالى أعلم.



